تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مركز الإنماء القومي

كلمتنا

في التراجع المستحيل للفلسفيّ عن حافة العالم
يضيق الفكر بالتزامن بين التصوّر كاختبار مجرد والشهود كاختبار حيّ. صعب أن نتصوّر ونشهد في آن لأن الشهود ماضي التصوّر. أصعب منه بكثير أن نتصور ما لن نشهده إلّا من خلال التصوّر.
ثمة ما يسبق الفكر دائمًا بخطوة تبدو لانهائية لأن تصور ما نشهده يصطدم بمعضلة ترجمة القَبْلي وتحويله إلى لغة لن يُتاح لها أن تنفصل عنه تمامًا. وإن لنا إشارة لطيفة على هذا في التوتر أو التضايف داخل المعنى بين كونه شعورًا أو إحساسًا من جهة وكونه تصورًا أو فكرة أو تعبيرًا من جهة أخرى. مقام القول يأتي متأخرًا عن الجدل بين مقاميْ الفهم والوجدان في البنية الكيانوية لذلك الكائن الذي يسأل عن معنى وجوده.
أن يتأتى للفكر أن يؤسس أو أن يبدأ .. معناه أن إجراءات مطوية قد انعقدت، بشكل أو بآخر، على شكل جعْل أسمائي وصليّ وعلى هيئة انتخاب مسألي، وذلك كله ضمن سيرورة يدخل فيها ما يصعب حصره من تأليفات منفَعَلة في ذهن الفيلسوف ومنها على سبيل المثال الحضور الغامض السابق للتفكر والترجيح دون مرجح ربما بين الحدود المتقابلة (واحد، كثير..) والكياسة المفهومية في التعامل مع الفجوات القَبْلية بين الشهود والتصور وسرعة الإشاحة عن الليس الأصلي ومقدار عدم الالتفات الى الفرق بين النسق والنموذج والى الفرق بينهما وبين الواقعي اللذين صدرا عنه صدورًا قويًا أو ضعيفًا، وفي الانزلاق السريع الى غواية التشطير المقولاتي للواقع والى كيفية تدبر الفائض الأنطولوجي كشرطلا بدَّ من استبطانه وتجويته في الخطاب أو كمأزقلا بدَّ من تفاديه لانشاء خطاب آخر.
وعليه، يبرز الأنطولوجي كميتافيزيقا الميتافيزيقا. هل نتعامل ابتداء مع معنى الوجود أم مع مفهوم الوجود أم مع أمثول الوجود.. وبأي سلطان نجعل له أسماء؟ ذلك أن الأسماء التي تطلق على حقيقة الوجود وترتسم معالم النموذج أو المنظوم إنما تصدر بعد عن جدل أعلى مكتوم بين المتعاليات او المشغلات. هذا الجدل الأعلى موجود في الحقيقة الفلسفية وبدرجة أقل في الحقائق الأخرى التي تشتغل بعد أن يبدأ صلاح المقولات. ثم هل نلتفت ونحن نعقد الصلة بين أسمائه إلى ذلك الجعل الصلّي.. إلى ذلك “الجدل” الأعلى بين المتعاليات؟ كيف نتدبر هذه السيرورة والتي من لحظاتها الجعولات الصليّة والأسمائية؟ وكيف ننهج معها؟ مسأليًا أم جدليًا أم أكسيوميًا؟ هل كموئل لا ينضب في كل مرة لطرح مسائل جديدة متضايفة مع صور جديدة للفكر؟ أم كمادة جدليةلا بدَّ من اختراقها ونسخ الفروق فيها؟ أم كفراغ وكثرات غير متسقةلا بدَّ من السيطرة عليها بالأكسمة؟ هل ثمة هناك ما على الفكر أن يجده كي يؤصّل نفسه أم ليس على الفكر بعد أن وجد نفسه موجودًا سوى الاشاحة عن هذه الواقعة والانصراف إلى إيجاد تطرقات جديدة ومسارات تتعولم وتهتك التماثل بينها وبين أي خارطة سرّية لواقعيّ العالم؟
عند مقام الواقعيّ، حيث لا اسم بعد ولا رسم ولا صفة، تلوح استحالة عودة الفلسفة أدراجها الى العالم بمقدار ما تلح استحالة مكوثها هناك بصحبة وجدانها الأخير. إن نظم العالم، ثم تفكيكه ثم نظمه مجددًا، هو سيرورة لا تنقطع. ذلك أن الفلسفة ليست نظمًا للعالم ؛ إنها تبدأ قبل ذلك بكثير…
رئيس التحرير

اطلع على المزيد من الأعداد

تعرف على كتابنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *