تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مركز الإنماء القومي

شايع الوقيان
PDF
تحميل المقال

مجلة الفكر العربي المعاصر

العدد 171

حزيران 2025

عندما يكون الاختلاف هو الأصل فإن الأصل نفسه يتلاشى. هكذا يفكّر فلاسفة الاختلاف: فوكو، دولوز، دريدا، وغيرهم. كيف يموت الأصل في اللحظة التي يولد فيها، وذلك في غضون الحكاية البديلة: “في البدء كان الاختلاف”؟

في فكر ما قبل (ما بعد الحداثة)، كان الاعتقاد السائد هو أن كل شيء يمكن تفسيره بالرجوع إلى مبادئ أولية قليلة، بل إن هذه المبادئ تقبل الرد كذلك إلى مبدأ أول وكلي. فالتفكير البشري، أيًّا يكن، يمكن ردّه، صوريًا، إلى ثلاثة مبادئ: الهوية، وعدم التناقض، والثالث المرفوع. وقد سعى المفكرون بعدئذٍ إلى ردها كلها إلى مبدأ واحد، فاختار البعض الهويةَ، والبعض الآخر اختار عدمَ التناقض(1). والحقيقة أن كل هذه المبادئ الثلاثة تفترض بعضًا، وبالتالي فهي مبدأ واحد. وقد يصح أن نسميه بمبدأ الكوجيتو. وعبارته، كما هو معروف، تُقرأ هكذا: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”(2). فالأنا موجود لأنه يفكر. واختزال الوجود إلى الفكر يجعل الأول تصورًا أو فكرةً. هذه الفكر، التي هي الأنا الواعية، تنطوي على مبادئ فطرية، أهمها: المبادئ الثلاثة المُشار إليها، وإلّا فما هو التفكير! صحيح أن ديكارت لم يبيّن بدقة ما معنى «أفكِّر»، لكنه افترض ذلك ضمنيًا. وقد نُقِدَ بناء على ذلك كما سنعرف.

الفلسفة الحديثة تمحورت، في معظمها، حول محوريْن: الهوية والاختلاف. محور الهوية يسير حسب منطق المماثلة. فالشيء يكون في هوية مع ذاته (أ=أ). وعندما أقول إن (ب) في هوية مع (أ) فإن هذا يعني أن (ب=أ). فثمة ردُّ أو اختزال لـ(ب) إلى (أ). وبما أن (ب) يظهر للوهلة الأولى على أنه (ب) وليس (أ) فإن الردَّ يحدث عبر إزالة ما يختلف فيه (ب) مع (أ) من أجل تحقيق الهوية أو المماثلة. أما منطق الاختلاف، المحور الثاني، فيشدّد على أن (ب) تظلّ مختلفة عن (أ) حتى ولو تماثلت معها في بعض السمات. وبما أن الاختلاف هو الأصل فإن التماثل هو عنصر ثانوي ويمكن لذلك الاستغناء عنه والإبقاء على ما يميز الكينونة فقط. لكن الإشكالية العميقة لفكر الاختلاف هو أن ما يميز الكينونة ليس شيئًا خاصًا بها؛ فالآخرُ حاضرٌ بقوة في قلب الأنا. فهل نقول إن “التماثل” يعود مرة أخرى في منطق الاختلاف؟ لا، ليس الأمر بهذه البساطة. لكن لنبدأ أولًا بفحص منطق المماثلة أو مبدأ الهوية، لنتعرف على ملامح فلسفة الاختلاف ومشكلاتها.

  1. تاريخ الكوجيتو

الأنا ـ أفكر هي دائمًا في هوية مع ذاتها، إنها تبدأ مسيرتها الأنطولوجية بطرد الآخر. في مناقشاته للشكوكية الحديثة، سعى ديكارت إلى بلوغ منصّة يقينية ينطلق منها في تأسيس بنائه المعرفي. ومن أجل هذا التأسيس، قام بالشك في كل شيءٍ ليس يقينيًا. وما هو يقينيّ هو ذلك الذي يقهر عقولنا ويجبرها على قبوله. وقصة ديكارت معروفة، ولذا سأكتفي بنتيجتها. لقد انتهى إلى أن الشيء الذي يقهر العقلَ هو وجود الأنا ـ أفكر. وهو يقهر العقل ليس لأنه يقيني، بل لأنه “ضروري”. فاليقين قد يصاحب الأفكارَ الخاطئة، وهو شعور داخلي، بكل حال، وليس جهةً منطقية (logical modal) كما هو حال الضرورة والاستحالة والإمكان. وبالتالي فالضروري يقيني، والعكس غير صحيح. والكوجيتو ضروري لأن افتراض نقيضه يؤدي إلى خُلْف أو استحالة. فكيف أفكر إذا لم أكن موجودًا؟

الكوجيتو الآن، في حالة الضرورة أو اليقين الضروري، يعيش لوحده. إنه كالرجل المعلق في الهواء الذي أشار إليه ابن سينا في التجربة الفكرية التي يفترض فيها أن رجلًا خلق دفعة واحدة ولم ير شيئًا أو يحس بشيء في حياته، وأن كل قنوات الحس لديه مغلقة بحيث لا يستقبل أي شيء من الخارج. هذا الرجل، حسب ابن سينا، سوف يعي أنه موجود حتى ولو كان لا يعرف أي شيء آخر على الإطلاق(3). وديكارت بالمثل يفكّر في إنسان معزول نهائيًا، إنسان يعيش في هوية مطلقة. ثم يبدأ بعد ذلك باستعادة ما نفى أو طرد مع وضع شروط منهجية معينة لذلك، ومنها أن يكون كل تصور حائزًا على درجات قصوى من التميز والوضوح، إضافة إلى عدم التناقض (وهو المبدأ الذي لم يصرَّ عليه ديكارت كثيرًا رغم أنه يفترضه بصمت، كما أشرنا أعلاه).

الفكرة الديكارتية، ميتافيزيقيًا، متماسكة وذات أثر عميق. لكن هذا لم يمنع من تعرضها للنقد. وأول نقد كان ذلك الذي وجهه إليه المفكر الفرنسي المعاصر له وهو جاسندي. وأشار إلى أن عبارة الكوجيتو ليست قضية حدسية كما يزعم ديكارت، بل هي استدلال منطقي. والاستدلال أقل يقينية من الحدس الذي هو الرؤية المباشرة للماهية، كما أن الحدس لا يحتاج إلى حدّ أوسط، بخلاف الاستدلال.

هكذا رأى ديكارت أن عبارة الكوجيتو “أنا أفكر إذن أنا موجود” حدسية لأنها تخلو من الحد الأوسط. وتصاغ بالشكل التالي:               (١) أنا أفكر،

                                 (٢) إذن أنا موجود.

فليس ثمّة حدّ أوسط، وبالتالي لا توجد مقدمة أخرى.

لكن خصوم ديكارت، مثل جاسندي كما قلنا، كشفوا عن أن الكوجيتو ليس إلّا استدلالًا مضمرًا، حذفت مقدمته الكبرى (كل مفكّر موجود). وتصاغ كما يلي:

                                 (١) كل مفكّر موجود،

                                 (٢) أنا أفكر،

                                 (٣) إذن أنا موجود.

وقد انتقد الفيلسوف الإيراني مرتضى مطهري الكوجيتو بمأخذ قريب من مأخذ جاسندي. يقول: إن ديكارت أثبتَ وجودَه عن طريق وجود الفكر.

                                 (١) الفكر موجود،

                                 (٢) أنا أفكر،

                                 (٣) إذن أنا موجود.

لكن النقد الأكثر عمقًا لدى مطهري هو أن مبدأ الكوجيتو يفترض مسبقًا مبدأَ عدم التناقض، أحد أهم مبادئ الفكر. وهكذا فالكوجيتو ليس حدسيًا بل مستنتجَا من مبدأ سابق. يقول مطهري(4): إذا كان ديكارت شكّ في كل شيء، فإنه شكّ أيضًا في مبدأ عدم التناقض. وإذا فعل ذلك سيكون الكوجيتو مستحيلًا؛ لأنه سيكون كالتالي: “أنا أفكر وفي الوقت نفسه لا أفكر، إذن أنا موجود وفي الوقت نفسه غير موجود”. ولكي يكون الكوجيتو صحيحًا يجب التسليم بعدم التناقض بشكل مسبق؛ لكي نتمكن من أن نقول “أنا أفكر، إذن أنا موجود”، بحذف النقيض. عمومًا يمكن تفادي هذا النقد بالقول إن معنى التفكير عند ديكارت ينطوي على مبدأ عدم التناقض؛ بحيث يصح أن نقول: لا يمكن أن يكون هناك تفكير بدون مبدأ عدم التناقض. بعبارة أوضح، أنا أفكر تساوي أنا أفكر بطريقة غير متناقضة.

في الفكر الفلسفي المعاصر، حدث تحوّل جذري في طرائق التفكير والنظر. وظهر ما يسمى بفكر ما بعد الحداثة، وهو فكر يجعل مبدأ الاختلاف منطلقًا له، وقد قام بنقد فلسفات الكوجيتو بشكل عنيف وغير مسبوق. وسوف نفصل ذلك في حينه. لكن لننظر إلى عواقب فلسفة الكوجيتو فيمن أتى بعد ديكارت.

أبرز تطوير للكوجيتو نجده عند إيمانويل كانط. لقد تأثر هذا الفيلسوف بالفكر الديكارتي عبر لابينتز وفولف، ولكنه أيضًا تأثر بالنقد التجريبي لديكارت والذي بلغ شدَّتَه مع ديفيد هيوم. لقد برهن هيوم في (مبحث في الفهم البشري) على أن مفهوم الذات أو الأنا مجرد وهم. فلكي نقول عن شيء إنه حقيقي أو له حقيقة، “فلا بد أن يكون هناك انطباع ما هو الذي يؤدي إلى نشوء كل فكرة حقيقية”. ويؤكد هيوم كذلك على أن كل شيء متغير وليس ثمة شيء ثابت. وبما أن الأنا أو النفس أو الذات ليس لها انطباع حسي، وبما أن كل شيء غير ثابت، فإن وجود الأنا كما يتصوره الفلاسفة وهم أو خطأ. ومن ثم يقرر هيوم أن الأنا “لا شيء سوى حزمة من الإدراكات الحسية المختلفة التي تعقب بعضها بعضا بسرعة لا يمكن إدراكها، وتكون في حالة تدفق وحركة مستمرة… وليست هناك أية قوة مفردة للروح تبقى هي ذاتها دون تغيّر”(5).

وهكذا تم تفكيك مفهوم الكوجيتو لأول مرة على يد هيوم. فالكوجيتو يتمتع بطابع الضرورة، أي إنهلا بدَّ أن يكون موجودًا مادام يفكّر. وبما أن التفكير موجود، حتى ولو كان وهمًا، فإن ثمة ذاتًا تمارس التفكير بالضرورة. لكن قد يكون هناك تفكير بلا ذات. وهذه الفكرة الهيومية غريبة ولم يقبلها أحد من الفلاسفة. ولتفادي الريبية الهيومية قام كانط بتطوير الكوجيتو ليتحوّل من كونه ذاتًا سيكيولوجية واقعية إلى ذات متعالية (ترانسندنتالية). ولم يعد هناك أملٌ في الانطلاق من الخبرة (experience) لتسويغ مفهوم الأنا. والحل هو الانطلاق من ميدان آخر هو العقل. لم يكتفِ كانط بإقامة صدع أنطولوجي بين الخبرة والفكر، بل قام برد الخبرة ككل إلى الفكر. وهذه هي الثورة الكوبرنيكية التي بشّر بها(6). وميدان العقل هو ميدان الضرورة والثبات، بخلاف ميدان الخبرة. وعندما نؤسس لمفهوم الأنا في ذلك الميدان فإنه سيتميز بالضرورة والثبات. والكوجيتو الكانطي يتكون من أنا واعية صورية مجردة من الانطباعات الحسية. وهي لذلك “تصور فارغ” كما يرى كانط. وهو لا يشير إلى ذات معينة بل إلى ذات كلية متعالية. إنها الأنا التي تطبق على كل أنا فردية.

قام فخته، تلميذ كانط، بانعطافة أخرى لمفهوم الكوجيتو. وجد هذا الفيلسوف أن مفهوم الشيء في ذاته، أي الواقع المستقل عن الأنا، هو مفهوم غامض، ولا بد من إزالته. وهكذا وجدت الأنا نفسها مع نفسها. ويسميها فخته بالأنا المطلقة (Absolute Ego). ففي البدء كانت الأنا، وليس ثمة شيء آخر. لكن الأنا بما أنها واعية بنفسها فإنها بالتالي تعي حدودَها. فتبعًا لمبدأ عدم التناقض فإن الأنا يفترض اللا ـ أنا. “ولا يمكن للأنا أن تفترض اللا ـ أنا إلا إذا وضعت حدودًا لنفسها”(7). لكن كيف تظل الأنا مطلقة إذا كان هناك ما يحدها؟ في القراءة التقليدية لفخته، هناك من يرى أن اللا ـ أنا ما تزال مُنتَجًا للأنا، أو هما وجهان لطبيعة واحدة كما كان الحال مع سبينوزا. لكن هناك قراءة حديثة تعتبر أن اللا ـ أنا كينونة منفصلة، ومن هنا يكون فخته من فلاسفة التذاوتية أو البينذاتية التي تجعل الآخرَ حاضرًا بشكل أساسي في الأنا(8).

رغم أن هيغل انتقد فخته لأنه جعل الذات أو الأنا مصدرًا للوجود، وأنه خلط بين الفكر والوجود كما فعل كانط من قبله(9)، إلّا أن مفهوم الكوجيتو عند هيغل لا يزال خاضعًا لمنطق المماثلة ونبذ الاختلاف. فرغم إيمان هيغل بالتناقض، الذي هو أساس الاختلاف والتنوع، فإن التناقض يخضع لاحقًا للرفع العقلاني. والأنا المطلقة عند فخته تصبح كينونة مطلقة عن هيغل. إنها لم تعد «أنا̔»، بل عقل كليّ تكون الأنا الفردية إحدى تجلياته التاريخية. لكن لو نظرنا إلى فلسفة التاريخ والسياسة عند هيغل، وصرفنا النظر عن المنطق الميتافيزيقي الذي يدشّن به مشروعه الفكري، لوجدنا أن هيغل كان فعلًا ملهِمًا لكثير من فلاسفة الاختلاف المعاصرين. ففي الفلسفة السياسية هناك نظائر للكوجيتو. فنجد مثلًا أن الإنسان المدني عند توماس هوبز، وقبلها عند ميكيافيلي، ولاحقًا مع جون لوك، هو الفرد. وهذه تسمى أحيانًا بالنزعة الذرية (atomism) في الفكر السياسي والاجتماعي. والصراع الذي ينتهي مع نشوء العقد الاجتماعي هو الصراع من أجل البقاء. أما في الفكر السياسي المعاصر، ولاسيما فكر مدرسة فرانكفورت (مثل هابرماس وإكسل هونيت)، فإن الصراع الحقيقي هو الصراع من أجل الاعتراف((recognition) (10. ولقد أسهم هيغل في تأسيس فلسفة الاعتراف وخاصة في جدلية السيد والعبد التي وردت في الفصل الرابع من كتاب (فينومينولوجيا الروح).

  1. الحل الفينومينولوجي

فلسفات الكوجيتو هي تلك الاتجاهات الميتافيزيقية التي تجعل الأنا ـ أفكر منطلقًا لها في تأسيس الأنساق الفكرية التي تؤوّل الوجود وتبرر المعرفة. ولقد بدأت مع ثنائية الذات والموضوع أو الأنا والعالم. فالأنا تقف أول الأمر منعزلة عن كل شيء، ثم تسعى بعد ذلك إلى بلوغ تصورات دقيقة حول اللا ـ أنا، أي حول الوجود، سواء أكان وجود العالم الخارجي أو وجود الأشخاص الآخرين. ومهما يكن موقف الفيلسوف، فإنه سيضطر إما إلى الانطلاق من الذات كما يفعل العقلانيون أو من الموضوع كما يفعل التجريبيون. هذه الثنائية إذن لم تفعل سوى أنْ أدت إلى تعاظم المشكلات الفلسفية. ومن ثم قرر بعض الفلاسفة البحث عن حلٍّ يجنبهم اختيار أحد قطبي تلك الثنائية. وأبرز هؤلاء هو الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل. ومن أجل إيجاد حل استثمر بعض المفاهيم التي كانت رائجة في وقته عند فلاسفة ومناطقة مثل فريغه وبولزانو وبرنتانو. ومن هذا الأخير أخذ مبدأ “القصدية”. ويعبّر عنه هوسرل بالصيغة التالية: «كل وعي هو وعي بشيء ما»(11). وهذا يعني، ببساطة، أنه من المستحيل أن نفكّر إلّا إذا كان هناك «شيء ما» يكون موضوعًا لتفكيرنا. فلا أستطيع أن أرى إلّا إذا كان أمامي شيء يقبل الرؤية، ولا أن أشمّ إلّا إذا كان هناك شيء ذو رائحة، ولا أن أحب إلّا إذا كان هناك شيء أحبه.

في (تأملات ديكارتية) بدأ هوسرل في تطوير الكوجيتو؛ ليتجاوز حدود الذاتية المتعالية التي ورثها الفكر من كانط وفخته. فقام بتعديل عبارة الكوجيتو التي تقول (أنا أفكر…، إذن أنا موجود) إلى عبارة تقول (أنا أفكر في شيءٍ ما، إذن أنا موجود). والحقيقة أن الشطر الثاني من العبارة (إذن أنا موجود)، والذي هو تالٍ لمقدم القضية الشرطية، ليس مهمًا في نظر هوسرل. فالوجود ليس معطى مباشرًا لنا، والأحرى بنا البدء مما هو معطى للوعي(12). وما هو معطى هو الموضوعات المفكَّر فيها (cogitatum). وهي ليست اختلاقًا للأنا ـ أفكر، بل هي موضوعات واقعية، ولكننا لا نسأل، في الوقت الراهن، عن طبيعة وجودها، بل فقط عن كيفيات ظهورها للوعي.

إن ما فعله هوسرل من ردمٍ للهوة بين الذات والموضوع عبر مبدأ القصدية ذو أثر عميق فيمن أتى بعده ولاسيما فلاسفة الفينومينولوجيا والوجودية. إن العالَم يقف منتصبًا هناك، وليس الوعيُّ صندوقًا مغلقًا ممتلئًا بالتمثلات الذهنية، بل هو نشاط يخرج إلى العالَم كما يخرج الضوءُ من المصباح ليضيء الأشياء. وعملية الإضاءة لا تعني الخلق، بل التأسيس. فإذا ولجتُ إلى غرفة مظلمة فإني لا أرى أي شيء، فإذا ما أنرتُها فإن الأشياء «تظهر». وبالمثل، فالوعي القصدي يجعل الأشياء تظهر، ولكنه لا يخلقها من عدم. والأشياء، بكل حال، تظهر بأشكال مختلفة تبعًا لنوعية الأفعال القصدية التي تستهدفها. وبالتالي فالوردة تظهر لدى عالم النبات بشكل مختلف عن ظهورها للعاشق الرومانسي، وعن ظهورها للشاعر، وعن ظهورها للتاجر، وهكذا.

على مستوى الواقع المعيش، تطور مفهوم القصدية مع مارتن هايدغر. الوعي الذي يخرج إلى العالم تحوّل من أطروحة إبستمولوجية إلى أطروحة أنطولوجية تنص على أن من ماهية الإنسان أن يكون موجودًا في العالم ومع الآخرين. هذا الوجود ـ مع ـ الآخرين هو سببٌ أول، وليس نتيجة لاحقة. إننا نوجد بهذه الكيفية منذ البداية. فالآخرون أضحوا جزءًا أصيلًا من وجودي كإنسان معنيّ بذاته، أو كـ “دازاين”. ويمكننا القول أن الدازاين حلّ محل الكوجيتو. فالأول هو الأنا ولكن منظورًا إليها من ناحية طرائقها في الوجود، في كيفياتها لتحقيق ذاتها، ولم تعد مصدرًا لليقين الأساسي المطلوب لإنشاء نظام معرفي راسخ كما كان الحال مع الكوجيتو.

لكن هايدغر مع ذلك لم يعط للآخرية ما يكفي من التأملات. فالآخر يحضر في فضاء الدازاين كأداة (tool). مع ذلك، علينا ألَّا نفهم الأداة هنا بالطريقة التي يروّج لها الفكر التجريبي والبراجماتي، أي الأداة كوسيلة. بالنسبة للدازاين، الأداة هي كل شيءٍ يساعدني في تحقيق ممكناتي. فالأم هي أداة بالنسبة لطفلها، وبدونها لا يمكن للطفل أن يحيا أو يحقق وجودَه. لكن بالمقابل، الطفل أداة للأم؛ فهي لا تحقق وجودها كأمّ إلّا بوجود طفلٍ لها. والمعلم أداة للطالب، والطالب أداة للمعلم، وهكذا. بتعبير آخر، الأداة أوسع شمولًا من الوسيلة.

الغياب النسبي للآخر في فكر هايدغر جعل تلاميذه ينتقدونه، وجعلهم يعطون شيئًا من الاعتبار للآخر. فها هو ذا سارتر يجعل الآخر ركنًا لفلسفته الوجودية، رغم أن الآخرية السارترية تتخذ طابعًا سلبيًا؛ إن حضور الآخر يعني تقليص حدود الأنا، ولذا فالآخر جحيم. أما بالنسبة لـ غابريال مارسيل ومارتن بوبر وليفيناس فالآخر يحضر كهبة. إن وجودي بدونه جحيم.

غنيٌّ عن البيان أن مفهوم الآخر لم يظهر فقط في الفلسفة، بل إن علماء الاجتماع والنفس أخذوا ينطلقون في تصوراتهم من استدعاء مفهوم الآخر بشكل عميق، مثل جورج هربرت ميد وتشارلز كولي وفرويد وأدلر وغيرهم.

  1. تصدّع الكوجيتو

الأنا ـ أفكر تتحرك في مسطح المماثلة، أو تؤسس وجودَها تبعًا لمنطق الهوية. بينما مفهوم الآخرية ينطلق من منطق الاختلاف. كان الأنا الديكارتي ـ الكانطي ذا طبيعة منغلقة. إنه يختزل العالَم إليه لكي يكون للعالم مشروعية، ولكي لا يظل مجرد وهم أو أحلام. وهذا الاختزال يتم عبر مقولات العقل. وكل شيء لا ينسجم مع المقولات يهمَل بوصفه لا ـ عقلًا: أوهامًا، خيالات، استحالة، جنونًا.

في هذا السياق، كان الآخرُ يحضر ولكن بوصفه مُلحَقًا بالأنا. ولقد ظهرت مناقشات وجدالات منذ ديكارت إلى يومنا هذا حول موضوع “وجود الآخرين” أو “عقول الآخرين”. الأنا ـ أفكر يحظى بمعرفة مباشرة بما يفكر فيه، ويشعر به. لكنه لا يعرف بشكل مباشر ما يفكر فيه الآخرون وما يشعرون به. فليس لديه قدرة على بلوغ عقولهم أو الولوج فيها. ومن هنا يكتفي بملاحظة التعبيرات المادية والجسدية لها. فأنا أعرف أن الآخر الآن يعيش في حالة فرح لأن أسارير وجهه انبسطت أو لأنه أخذ يرقص. فأفترض أنه سعيد لأني أعرف ذلك في نفسي؛ فإذا شعرت بالفرح تنبسط أسارير وجهي ويهتز جسدي. وافتراضي أنه سعيد قائم على «المشابهة». بما أنه يشبهني فهو إذن يفكر ويشعر. ولو أنه مارس سلوكًا جسديًا مغايرًا لما أعرفه عن نفسي لاتهمته بالجنون أو اللاعقل.

مع فرويد ونيتشه وماركس، ظهرت أطروحة جذرية تنص على أن الوعي أو الكوجيتو ليس هو الأساس. إن الوعي بالنسبة لـ فرويد ليس إلّا ألعوبة بَيْدَ اللاوعي، والذي يحرك الكينونة البشرية هو “ما ليس أنا”، أي هو تلك الخبرات التي يمر بها المرء منذ طفولته، والتي تشرّبها فظن أنها له، بينما هي لغيره: للأب، وللمجتمع، وللثقافة. بعبارة أخرى: الآخرون هم من يفصّلون للمرء هويتَه الشخصية. ومع ماركس، ظهر أن الوضع المادي والاقتصادي هو ما يحدد ماهية الوعي وطبيعة الأفكار والمشاعر. وأما نيتشه فقد قام بتفكيك منطق المماثلة العقلاني وكشف عن أنه ليس إلّا ظاهرًا. أما الباطن فيسيطر عليه منطق القوة الأعمى(13).

لم يعد الوعي هو المسيطر، بل الآخر، سواء أكان اللاوعي، أو البنية الاقتصادية، أو القوة. وقد استلهم رواد فكر ما بعد الحداثة هذه الأطاريح ووظفوها بشكل لم يكن لأحد أن يتصوّره، فأعلن هؤلاء المفكرون ـ مثل لاكان وفوكو ودريدا وبوديار وليوتار ـ (موت الذات) وانهيار الوعي. وحتى المفكرون الأقل راديكالية مثل هابرماس وريكور ودولوز وجدوا أن العودة إلى الكوجيتو بوصفه وعيًا خالصًا لم يعد مقبولًا. فقرّر هابرماس أن ينقل التفكير من حقل الوعي إلى حقل التواصل، ليؤسس فلسفتَه بذلك على مفهوم التذاوتية أو البينـ ـ ذاتية (intersubjectivity). وأما ريكور، رغم نقده لفكر ما بعد الحداثة، فإنه يرى أن الوعي الذاتي لا يمكن أن يحدث إلّا عبر الآخر وعبر الرموز، «فالأنا ـ أفكر مجردة، وتحتاج إلى أن تتوسطها الأفكار والأفعال والأعمال والمؤسسات واللحظات التي تقوم بموضعتها»(14). وهكذا فالأنا يجب أن تنخرط في لعبة اللغة لكي تدرِكَ ذاتها.

أما فلاسفة ما بعد الحداثة الأكثر راديكالية فلم يكتفوا بجعل الآخر يحضر كشريك للأنا، بل مالوا إلى كفة الآخر بشكل مبالغ فيه. فالآخر هو أساس الهوية الشخصية. إنَّ ذاتي ليست لي، إنها من صناعة الآخرين.

عناية هؤلاء المفكرين بمفهوم الآخر لها أسباب عدة، أبرزها أن فلسفات الوعي أو الكوجيتو ساهمت في تعزيز النزعة القومية الأوربية التي تفاقمت مع استعمار البلدان الأخرى. فقد رسخ في أذهانهم أنهم الأفضل والأقوى، وأن الآخرين يجب أن يقلدوهم لكي يرتقوا أو يتطوروا. فالتقلد أو منطق المماثلة كان مسؤولا عن فظائع العرق الأوروبي إزاء الآخرين (الاستعمار) ثم إزاء نفسه (الحربان العالميتان). وقد انتقد فلاسفة فرانكفورت (أدورنو وهوركهايمر مثلًا(15)) فكر التنوير العقلاني لأنه فشل في ما وعد به: مستقبل زاه ومشرق. إضافة إلى ما سبق، كان معظم فلاسفة الاختلاف أو ما بعد الحداثة ذوي مشارب يسارية. ولا يعني هذا أنهم ماركسيون، بل تأثروا ببعض أطروحات ماركس والمتأثرين به مثل فلاسفة فرانكفورت وجورج لوكاتش وغرامشي وغيرهم. واليسار، ولاسيما في صيغته الغربية، لديه اهتمام فائق بالأقليات والمهمشين.

مع مطلع القرن العشرين تطور الدرس اللغوي ليصل إلى تكوين مدارس أصبحت اليوم كلاسيكية، مثل علم اللغة البنيوي والفكر التحليلي والوضعية المنطقية. فمع فردناند دي سوسير ورومان جاكبسون وإميل بنفسنت وفتغنشتاين وغيرهم أصبحت اللغة أساسَ كل تفكير فلسفي وعلمي. وهذا ما يسمّى بالمنعطف اللغوي(16). ولقد التقط فلاسفة الاختلاف فكرةً مذهلة في دروس دي سوسير، وهي تلك التي ترى أن العلامة اللغوية ليست لها في ذاتها قيمة إيجابية وإنما سلبية. بمعنى أن العلامة تستطيع أن «تدلّ» بسبب اختلافها عن غيرها. ففي شبكة العلامات، ما يهم هو العلاقات وليس العناصر. وعند نقل هذه الفكرة للفلسفة والعلوم الاجتماعية فسوف نقول إن الشخص ليست له قيمة في ذاته، وإنما تكمن قيمته في وجوده مع غيره. فأنا لست «أنا» بسبب شيءٍ فيّ، شيءٍ يميزني، بل بسبب اختلافي عن غيري. وهكذا أصبح الاختلاف هو أساس الهوية الشخصية، وليس التماثل أو الوعي الذاتي.

  1. الاختلاف الإيجابي

لقد انتقدتُ في غير موضع فكر ما بعد الحداثة(17) لأنه ينهض على مفهومٍ سلبي للاختلاف. وأقصد بهذا المفهوم أن «س» تكتسب قيمتها ليس لأنها «س» بل لأنها ليست «س». وبعبارة منطقية (س= ~ س). وهذا انتهاك صارخ لأحد أهم مبادئ الفكر، وهو مبدأ عدم التناقض. لكن فلاسفة الاختلاف عمومًا لا يحفلون كثيرًا بمبادئ الفكر ويعتبرونها مبادئ لمنطق الهوية أو المماثلة. بل إن كلمة «مبدأ» أو «أصل» هي كلمة خاطئة، من وجهة نظرهم. فإذا كان الأصل هو الاختلاف، وإذا كان الاختلاف يقتضي وجود عنصرين فأكثر فإن الأصل لم يعد أصلًا. بل إن النسخ، حسب دريدا، هي التي تعطي للأصل قيمتَه؛ فالأصل لا يستطيع أن يكون أصلًا إلّا لأن له «نسخًا». وهكذا فالنسخ تجعل الأصل أصليًا، وبالتالي فالأصل لا يكتسب أصليته من ذاته.

في كتابي (الهوية الشخصية) اقترحتُ مفهوم “الاختلاف الإيجابي” كمفهوم مؤسس للهوية. وقد ميّزتُ بين مفهومي “الهوية النوعية” و”الهوية الشخصية”. والأنا يشترك مع الآخرين في الأولى، ويختلف معهم في الثانية. ويجب التشديد على أن المفهومين متلازمان بشكل حتمي. لو أننا مثلا أخذنا طه حسين كمثال، لقلنا إنه رجل مصري اشتهر بكونه أديبًا وأصبح وزيرًا للتربية في سنة كيت وكيت، وأنه من روَّاد النهضة، وهكذا. سيقول فلاسفة الاختلاف إن كونه رجلًا لا يميزه وحده، وكونه مصريًا أو أديبًا أو وزيرًا ليس شيئًا يخصه بل هي مقولات عامة تشمل عددًا كبيرًا من الأشخاص. وسأقول: هذا أمر لا بأس به. بل هو شيء ضروري لهويته. لكن أليس هناك شيء يميزه؟ الإجابة: بلى. إنه طريقته في تحقيق ذاته. صحيح أنه أديب، والعقاد أديب، وأحمد أمين أديب، لكن لكل واحد منهم أسلوبه الخاص في تحقيق ذلك. والأسلوب هو طريقة كل شخص في تحقيق الإمكانيات التي يشترك بها مع الغير. إنّ كريستيانو رونالدو لاعب كرة قدم عظيم، وكذلك ليونيل ميسي. فكون الأول لاعبًا هي إمكانية عامة يشترك بها مع آلاف اللاعبين، لكن طريقته في تحقيق كونه لاعبًا تخصّه وحده، ولو قلّد غيره لما كان لاعبًا عظيمًا.

بهذه الطريقة نستطيع أن نتخلص من مفهوم الاختلاف السلبي الذي نزع كل قيمة من الأنا ـ أفكر أو من الذات. وكلمة السر هي «الأسلوب». وهي كلمة معروفة في الأدب والإبداع الفني، لكننا هنا نوسّعها لتشمل كل سلوك بشري.

الهوامــش

(1) يضيف بعض الفلاسفة مبدأ العلية كمبدأ رابع. وقد اشتهر كانط بأنْ جعل العلية مبدأ للتفكير وليس مبدأ للواقع، بخلاف لايبنتز الذي جعل الواقع المادي يرتد إلى مبدأ العلية، بينما يسيطر مبدأ عدم التناقض على عالم الفكر أو التفكير المنطقي.

(12) لم يماهِ ديكارت بين الكوجيتو ومبادئ الفكر، لأن الكوجيتو عنده ذات طابع سيكيولوجي. مع كانط ستحدث هذه المماهاة بفضل التجريد المنطقي للكوجيتو.

(3) ابن سينا، كتاب الشفاء: الفن السادس من الطبيعيات، طبعة باريس، 1988، (Editions du Patrimoine Arabe et Islamique)، ص 18 وما يليها.

(4) رأي مطهري مثبت في الحواشي التي كتبها تعليقًا على متن الطباطبائي في كتابه (أصول الفلسفة والمنهج الواقعي).

(5) هيوم، مبحث في الفاهمة البشرية، ترجمة موسى وهبة، دار الفارابي، 2008، ص 262-263.

(6) كانط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الإنماء العربي، 1988، ص 35.

(7)Fichte, Science of Knowledge, trs. A. Kroeger, J. B. Lippincott, 1868, p. 263.

(8) Cf. Clarke, James Alexander, Fichte’s theory of Intersubjectivity, Durham theses, 2004, Durham University.

(9) هيغل: موسوعة العلوم الفلسفية، المجلد الأول، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، 2005، ص 175.

(10) See: Axel Honneth, The Struggle for Recognition, Translated by Joel Anderson, 1995, MIT.

(11) انظر مثلا: هوسرل، الفلسفة علما دقيقا، ترجمة محمود رجب، ص 46.

(12) ما يميز هوسرل عن كانط هو أن الأول، بفضل إيمانه بالقصدية، يعترف بقدرتنا على معرفة الشيء ذاته. ففي ضوء الوعي يحضر الشيء «بشخصه» ولا ينوب عنه نائبٌ من صور أو رموز: «فالشيء الفيزيائي المكاني… معطى بشخصه للوعي. وما يعطى ليس صورة ولا رمزا (علامة). ولا ينبغي علينا أن نجعل الصور أو الرموز بديلا للإدراك». ففي الإدراك وأفعال الحدس المباشرة «نحدس الشيء ذاته».

(Husserl Ideas, part one, trans. F. Kersten, Martinus, 1983, p.92-93).

(13)  يسمي بول ريكور هؤلاء الثلاثة أسيادَ الشكية

(Ricoeur, Freud and Philosophy, tr. Denis Savage, 1970, Yale University Press, p. 32).

(14)                                       Ricoeur, ibid, p. 43.

(15) انظر: أدورنو وهوركهايمر، جدل التنوير، ترجمة جورج كتورة، 2006، دار الكتاب الجديد.

(16) راجع: الزواوي بغورة، الفلسفة واللغة: نقد المنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة.

(17) مثلا: كتابيَّ (الوجود والوعي: استئناف الفينومينولوجيا) و(الهوية الشخصية).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *