تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مركز الإنماء القومي

د. محمد مطر
PDF
تحميل المقال

مجلة الفكر العربي المعاصر

العدد 171

حزيران 2025

معضلة بارمنيديس ـ أفلاطون والقرار الأنطولوجي

فحَصَ أفلاطون في محاورة (بارمنيديس) الشهيرة فرضيّاتٍ عدّة حول الواحد والكثير. كان هذا الأخير قد جزَمَ بأنّ الكينونةَ والواحد متكافئان، وبأنّ الكَثرةَ وهمٌ يتعلّق بجهل البشر. فرضيّاتٌ تسْع تضمَّنها هذا “التمرين الجَدَلي”، اثنتان منها أساسيّتان. الأولى إيجابيّة والثانية سلْبيّة: «الواحد يكون» (l’Un est)؛ «الواحد لا يكون» (l’Un n’est pas). ما الذي يترتّب على الفرضيّة الثانية من نتائجَ بخصوص الكَثير أو ما يُسمّيه أفلاطون «الآخرون»؟ (les Autres). هوذا السؤال الذي كرَّس له أستاذ أرسطو الجزء الأخير من المحاورة. نورد في ما يلي نصًا لأبرز ما جاء فيه: 

“Disons encore ce qui arrivera aux autres choses, si l’un n’est pas… elles ne sont pas autres par rapport à l’un, si l’un n’est pas… Elles sont donc autres les unes que les autres ; car il ne leur reste que cela, à moins de n‘être autres que rien… C’est donc par la pluralité qu’elles sont autres les unes que les autres, car ce ne peut être par l’un, si l’un n’est pas. Apparemment la masse de chacune renferme une pluralité infinie, et lorsqu’on croit avoir pris la chose du monde la plus petite, on verra tout à coup, comme dans un rêve, au lieu de l’unité qu’on croyait tenir, une multitude, au lieu d’une petite chose, une chose immense…Enfin, revenons encore une fois au commencement, et voyons ce qui doit arriver si l’un n’est pas et qu’il y ait d’autres choses que l’un… Nulle autre chose ne sera une… Ni plusieurs; car l’unité serait comprise dans la pluralité ; et si aucune des autres choses n’est quelque chose d’un, toutes ne seront rien, et par conséquent il n’y aura pas non plus de pluralité…Si donc nous disions en résumé: si l’un n’est pas, rien n’est ?”(1)

عندما «الواحد لا يكون» فإنّ كل شيء سيكون مغايرًا ليس للواحد وإنّما لجميع الأشياء الأخرى: «ذلك هو كل ما يتبقّى لها، وإلا فإنّها ستكون لا شيء». فالأشياء لا تكون «أخرى» إلّا بالنسبة إلى بعضها البعض؛ لأنّه بحسب الفرضيّة: ليس ثمّة شيء آخر تكون مغايرةً له ما دام «الواحد لا يكون». «تُحالُ الآخَريّةُ البسيطة [بين الأشياء] بذلك إلى آخريّة تأسيسيّة»(2)؛ أي إلى «تفكير الاختلاف المَحْض أو الاختلاف بوصفه انتشارًا غير متجانسٍ (dissémination hétérogène)، وليس مجرَّد تنوّع تكراري بسيط»(3). «كل آخر هو آخر للآخر»(4) (Les autres sont Autres) بحيث نكون أمام كَثْرة مَحْضَة بإطلاق، هي عبارة عن انتشار كامل ولامتناهٍ للآخريّة نفسها. وعليه، فإنّ الوحدة التي تبدو عليها هذه الأشياء ليست سوى مظهر؛ إذْ مهما بدَت لنا صغيرةً، فإنّها في الحقيقة لامتناهية في التكثُّر. وكما في الأحلام: بدلَ الوحدة الظاهرة هناك التكثّر، وبدل الشيء الصغير هناك شيء يتعاظم باستمرار. إنّ ما جَهَد أفلاطون في تفكيره هنا بحَسْبِ باديو هو: الكَثرة اللامتّسقة(5) la multiplicité) inconsistante) أي كَثرة بلا واحد، وبلا حدّ لانتشارها اللامتناهي أي الـ (πλῆθος) pléthos باليونانيّة. فجوهر هذه الكَثرة أن تتكثَّر على نحو مُحايث وبلا أيّ نقطة توقّف. وطالما أنّ «الواحد لا يكون»، فهي عبارة عن كثير هو بدوره كثير لكثير (multiple de multiples) وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية. إنّ كثرةً على هذا النحو لن توجد سوى في الأحلام كما أشارت إلى ذلك المحاورة. بينما في الواقع، ليس ثمّة إلّا كَثَرات متّسقة أي تعدُّدات يُمكن تفكُيرها على عكس اللامتّسقة، بمعيّة الواحد أو البُنية (structure). إنّ الكثير بلا واحد أو الكثير المَحْض (le multiple pur) لا يُمكن برأي أفلاطون أن يكون موضوعًا للتفكير لكونِه يفتقدُ إلى التماسُك المطلوب؛ فهو «لا يلبَث أن يتبخّرَ كالحُلُم حين يَعْرِضُ للفكر»(6). عبر هذا الإحراج (أبوريا απορία) تمرُّ المحاورة إلى خاتِمتها المُلغِزة: إذا كان «الواحد لا يكون» فلن يُصار إلى تفكير الأشياء لا كواحد ولا كمُتعدِّد أو كثير؛ بما أنّ تفكير المتعدِّد يتطلّب بالضرورة تفكير الواحد. وعليه، يصيرُ ممتنعًا تفكير الكثير بما هو (le multiple en tant que multiple). والخلاصة التي يستنتجها أفلاطون في نهاية المطاف هي عدميّةٌ بإطلاق: «إذا افترضنا أنّ الواحد لا يكون، فلا شيء يكون». عند هذه النقطة يتدخّلُ باديو لمنع انهيار النتيجة الأولى التي صادَق عليها، وهي أنّه في غياب الواحد ليس لدينا غير الكثير اللامتّسق أي الكثير المَحْض. رُبّ تدخّلٍ سيتوسّل فيه «العنفَ التأويلي» تارةً في ترجمةِ بعض عبارات اللغة اليونانية، وطورًا في القراءة التجزيئيّة والإقتطاعيّة للمحاورة من أجل حَرْفِها عن نتيجتها المعروفة. ذلك أنّ تعديلًا طفيفًا لكنْ فارِقًا في ترجمة جُملةِ «Rien n’est» لتُصبح «Rien est» اعتمادًا على فَهْمِ خاصّ للصيغة الأصليّة باليونانيّة (oudén éstin (οὐδέν ἔστῐν، كفيلٌ بأن يقلبَ الأمور رأسًا على عَقِب. يقول باديو: 

“Il faut donc plutôt penser ici que “rien” est le nom du vide et transcrire l’énoncé de platon de la facon suivante: si l’un n’est pas, ce qui vient à la place de “plusieurs” est le pur nom du vide, en tant que seul il subsiste comme être… la conclusion “nihiliste” ramène… le point d’être du rien, corrélat présentable – comme nom- de ce multiple(πλῆθος) illimité, ou inconsistant, dont le non–être de l’un induisait le songe“(7).

إنّ اللاشيء (oudén) أو الفراغ (le vide) أي (kenón κενόν) باليونانية «يكون» إذن، بوصفه اسمًا متضايفًا للكَثرة اللامتّسقة. إنّه نقطة الوجود الوحيدة المتبقيّة (le point d’être) وسَطَ هذا الانتشار الهائل للكَثرات. وعلى هذا اللاشيء الذي «يكون»، أن يحلَّ مكان «التعدّدات» (les plusieurs) التي صارت نثرًا منثورًا في غياب الواحد. بعبارة أخرى: إنّ الكَثرةَ المَحْضة اللامتّسقة التي «تكون» هي لاشيء، هي الفراغ! ومن أجل تثبيت هذه النتيجة التي يُريدها، يُنبّه باديو إلى ضرورة التمييز في نصّ أفلاطون بين كلمتين يونانيّتين متعارضتين: (πλῆθος) pléthos التي تُشير إلى الكَثرة اللامتّسقة و (polla (πολλά التي تُشير بدورها إلى «التعدّدات» المُركّبة من الواحد (la composition d’uns) أي ما سيُسمّيه في قِبالة الأولى: الكَثرة المتّسقة (la multiplicité consistante). وعليه، يستقيمُ الإستدلال الباديووي من داخل المحاورة نفسها على النحو الآتي: إذا استئصلنا الواحد، فإنّ الكَثَرات المتّسقة ستنهار كلّيًا، ولا يبقى من ثمّ، سوى اللاشيء الذي هو الكَثرات اللامتّسقة. أليس هذا ما أراده أفلاطون؟ في الحقيقة إنّ استراتيجيّة باديو التي أشرنا إليها(8) في التعامل مع النصّ اليوناني لا توحي بذلك أبدًا. أولًا ثمّة مخاتلة في إيراد عبارات مُلغِزة من النصّ من دون ذكر إحالاتها ولا مصادر الترجمات المُقترحة لها. وثانيًا هناك إغفال متعمّد لأمثلةٍ كثيرة من داخل نصّ المحاورة نفسه تناقضُ تمامًا ما ذهَبَ إليه(9). من جهة أخرى، لو افترضنا أنّ «الواحد لا يكون» ἓν εἰ) μὴ ἔστι) فليسَ مفهومًا كيف يُمكن في ظلّ تفسُّخ كل وِحْدة من الوحدات المتعدّدة التي لن يبقى من أثَرِها سوى أشباح، صُنع أي شيء؟(١٠) هذه الأشباح المُتبقيّة بعد انهيار الواحد le collapse de) l’Un ) هي مآلُ ما سمّاهُ أفلاطون الكُتلة (la masse) أي التعدّدات أو (ógkon ὄγκου) باليونانية التي «تكون بصَدَد الإضمحلال بنفس الفوريّة التي ظهرت بها، ولا يوجد [من ثمّ] غير الحدوث والفناء وتحوّلات غير قابلة للفهم: إننا نكون بالفعل داخل مَنْطِق الأحلام، ويكون بإمكاننا أن نسندَ إلى هذه الأكداس [الكُتَل] جميع التحديدات التي نشاء. وهذا العالم المليء بالتناقضات التي يمكن تخيّلها يسمحُ [لنا] باللعب الذي لا مقياس له، للمَظْهر والوهم»(11).

وعليه، فإنَّ «شبحَ الآخر» fantôme de) l’autre) الذي يُحلّق باستمرار فوقَ مشهدِ الأنقاض مطاردًا الكينونةَ، ويعملُ في الوقت نفسه على محاكاةِ الحضور الحقيقيّ (simule la présence)، يمنعُ بدوره كلَّ مثولٍ(toute présentation) أيًّا كان نوع هذا المثول(12). لقد أكّد أفلاطون أنّ كل كَثرة (ógkon) في غياب مرجعيّة الواحد، تُصبح أثناء انقسامها اللامتناهي، مغايرةً في ذاتِها للكَثَرات الأخرى. «كل آخر هو آخر للآخر» بعبارة باديو السّابقة التي تخيّرها ترجمةً للعبارة اليونانية المُلغِزة: (ta alla étera estin ἀλλά ἑτερα ἔστῐν τά). فهل نحن أمام آخريّة أو غيريّة جذْريّة (altérité radicale) بحيث أنّ (l’autre alla) لا تُحال إلى مقولة (l’Autre heteron) في محاورة السفسطائي؟(13). في الحقيقة، لا جواب نهائيًا عن هذه المسألة. ففي حين يبدو الأمر كذلك بما يتَناسَب مع خيار باديو، فإنّ ثمّة عبارات في المحاورة تُسقِط هذا الخيار منها مثلًا:τὰ ἄλλα ἕτερα αὐτοῦ εἶναι, ἢ μηδὲ ἐκεῖνο ἕτερον τῶν ἄλλων) λέγεσθαι) التي غالبًا ما تُترجم بـ

«les autres sont différents de lui [de l’Un]sans quoi on ne le pourrait pas dire différents des autres» (14).

من الواضح أنّ أفلاطون يُحيل الغيريّة هنا إلى مرجعيّة الواحد بدل أن يذهبَ بها إلى الإطلاق الذي يقول به باديو. لكن ماذا لو كان باديو على حق؛ بما أنّه لا يُمكن الاحتجاج بـ أفلاطون واحد وبنصّ واحد، بل بـ«أفلاطونات» وبنصوص عدّة داخل النصّ الواحد؟ بعبارة أخرى، ماذا لو كانت الآخريّة التي تكون بين الكَثرات هي «أكثرُ آخريّة» من مثال «الآخر» التي تقفُ من بين الأجناس الخمسة التي أقرّت بها «السفسطائي» بإزاء «العينه» (le même)؟ من المؤكد عندئذٍ أنّنا سنرجِع إلى «الغيريّة الجذْريّة» التي لا يُمكن بأيّ حال اختزالها، لكونِها «ليست مشوبةً لا بالواحد ولا بالكينونة» بل إنّها «تظلّ تلعب عند تخومِ الكينونة واللاكينونة»(15).

لنُلخِّص المشهدَ ثانيةً قبل أن نخطوَ أبعد: إنّ استبعادَ الواحد أو فصْلِه عن الكينونة بما هي، يقوّضُ كل وِحدة كائنة (ógkon) ويستخرجَ منها أشباحَ «الآخريّة الجذْريّة» اللامتناهية التي تستوي مع اللاشيء: «لا شيء يكون» (Rien n’est). ثمّة إذن ما يتجاوز الكينونة أي (autrement qu‘être) بعبارة ليفيناس (Levinas) كما يتجاوز الـ«ما لا يكون»Non pas être autrement, mais) (16)(autrement qu’être. Ni non plus neـpasـêtre. إنّه الخورا (khôra (χώρα في محاورة طيماوس (Le Timée) أي النوعُ الثالث (triton ti) للكينونة الذي «يكون تعليلُه صعبًا ويُرى بضعف. إنّ النوع الجديد من الكينونة هو الوعاء، وهو متعّهد كل الولادات إلى حدّ ما»(١٧). والخورا يعني حرفيًا «المكان، الموْضِع، المَحلّ، المرتبة»، أما فلسفيًا فهو «أكثر من فضاء هندسي، وإنّما حاضنة، رحِمْ، شيء ما يتحرّك دون نظام… إنّه مثال، مثال الآخر تحديدًا… فعدم استقرار الخورا واضطرابه الكيفيّ الذي يجعله قابلًا لكل شيء؛ فيُسمّى بذلك علّة هائمَة (cause errante)، هو ما قد يُقرّبه من الأبيرون [اللامتناهي]… من مبدأ اللاتعيّن، وباختصار من مثال الآخر (L’idée de l’Autre)»(18). والخورا «مكان مجرّد غير متجانس» لا ينكشف ولا يُمكن اختبارُه. «مكانٌ هو لاشيء». لا شيء يكون فيه أو يحضُر إليه. «مكانٌ صحراوي قاحل، ضارب في القِدَم ولا يمكن تذكّره مطلقًا»(19). دريدا يقول عن (khôra) أنّه بلا اسم، مجهول تمامًا، ويبقى عصيًّا على القول (indicible). وهو لا محسوس ولا معقول بل «جنس ثالث» (τρίτων γένος) غير قابل للتسمية(20). ليس هو اسمٌ آخر للكينونة، بل (Autre du nom) بعبارة دريدا (Derrida). فخورًا يرفض كل اسم عَلَم (nom propre) حتى أداة التعريف غير مناسبة لمقامِه. ينبغي تنكُيره على الدوام: «خورا وليس الخورا»(21). باديو «طمسَ كل ذلك عند أفلاطون» ساعيًا إلى «طرد الأشباح» الهائمة فوق مشهد الخراب العظيم: فمع الـ ogkoi (جَمِع ógkon) في (بارمنيديس) والـ khôra في (طيماوس)، ليس ثمّة كينونة ولا اسم. لقد عاندَ باديو كلَّ تفكير في أثرٍ ما «للآخر في الكينونة» (l’autre dans l’être) عند دريدا أو في «آخر الكينونة» (autrement qu’être) عند ليفيناس(22)، وذلك بواسطة التعديل المؤثّر الذي أشرنا إليه سابقًا: من «لا شيء يكون» إلى «اللاشيء يكون». ومن ثمّ القول بأنّ اللاشيء أو الفراغ هو اسم العلَم الخاص بالكينونة؛ أي اختزال «الآخرية الجذْريّة» إلى جنس الكينونة؛ وتسمية ما لا يُسمّى. بعبارة أخرى العودة إلى العينه: «الكينونة = الفراغ»! هل يُشكّل هذا العِناد احتراسًا من الآخر المُطلق المُغاير للكينونة جذريًّا من أجل الاحتفاظ بالواحد مجددًا(23)؟! وهل القول بكينونة لاشيء (Être – rien) يُشكّل عبارة لا معنى لها، خارج معنى الحرمان المُطلق من أي خواص كانت؟ أم هل ثمّة معنى صوفيّ يُمكن إسناده لهذا اللاشيء أو الفراغ(24)؟ يعتمدُ الجواب بالطبع على استيضاح وفهم هذه المعادلة الأنطولوجيّة المركزيّة التي أرساها باديو في كتابه «الكينونة والحدَث»، ومحاولة الإجابة عن أسئلة من قبيل: ما الفراغ؟ وكيف يكون؟ وما معنى أن يكون اسم علم للكينونة؟ وكيف له أن يتساوى معها صوريًّا؟

لغز الفراغ

يفتحُ الفراغ (Le vide) في فلسفة باديو الحديثَ على مصراعيه حول الخيارات الأساسيّة التي حكَمَت الأنطولوجيا الخاصّة به أو الأسس التي قامت عليها، ومدى وضوح مسوِّغاتها النظرية والنتائج التي توصّلت إليها. هل صحيح أنّ ثمّة مراوغةً لغويةً في نصّ باديو بخصوص هذا الفراغ، تجعلُ ممتنعًا كل معنى يُمكن أن يُعطى له؟ وهل الإقرار بـ «وجوده» بل جعلُه حجرَ الزّاوية لكامل الأنطولوجيا، يردُّنا إلى الواحد قسرًا؛ أي إلى الشّبح الذي ظلّ باديو يهرب منه أينما حلّ؟ هل يكون باديو بذلك، قد حقّق غايتَه الإلحاديّة التي حَرِص عليها أم وقعَ في مصْيدَة «الواحد» من حيث لم يحتسبْ؟ وحده فحصٌ شامل ومتأنٍ لنصوص باديو التي لا تخلو من صعوباتٍ، يُضاعفُ منها أسلوبُه الموجَز أحيانًا والمُبْهَم أحيانًا أخرى في الكتابة، كفيلٌ بأن يميطَ اللثام عن هذا اللّغز المسمَّى الفراغ: علاقتُه بالكينونة أولًا، ومن ثمّ بمقولاتٍ أنطولوجيّة أخرى.

لقد كرّسَ باديو في كتابِه المذكور آنفًا فصلًا كاملًا عن الفراغ (التأمّل الرابع) من أجل أن يُبدِّد كلَّ سوء فهمٍ حوله، فيما ظلّ هذا الأخير ثيْمةً رئيسيةً حاضرةً طوال فصول الكتاب. فقد كان الفراغُ حصيلةَ (التأمّل الثاني) حول أفلاطون، وتحديدًا محاورة (بارمنيديس) الشّائكة. وقد بيّنا كيف تحوّل رفض «الآخر الجذريّ» عندَه إلى إقرارٍ أنطولوجيّ بأنّ «اللاشيء يكون». أي أنّ ثمّة كينونة لاشيء (être–rien) «ينبغي تمييزها» عن اللاكينونة(25) (non–être). هل بقبولِنا بهذا التقابُل الجوهريّ بالنسبة إلى باديو، نكون حتمًا أمام «لعبة فلسفيّة لغويّة» أو «رطانةٍ فاقدة للمعنى»(26)؟ لم يقلْ باديو بأنّ اللاشيء أو الفراغ «يكون» بمعنى أنّه يحضُر أو يمْثلُ أمامنا في وضعيّةٍ ما situation) quelconque ). الفراغ المُستدعى هنا، هو اللاشيء بالمعنى الحرفيّ للكلمة. وعليه، «فلا جدوى من البحث عن [هذا] اللاشيء… الذي أرهقَ الشّعر»(27). فهو المطروح (le soustrait) من كلّ حضور أو غير القابل للمثول في أي وضعيّة (L’imprésentable). في هذه الحالة الأخيرة، أي عندما يتعلّق بالوضعيّة من حيث هي، فإنّ «اللاشيء الخاص بالوضعية» يُسمّى حينئذ «الفراغ». اللاشيء يتعلّق بما هو شامل أما الفراغ فبما هو موضعيّ. والفراغ هو اسم علَمٍ محض (un pur nom propre) للكينونة، لا يُشير البتّة إلى هذا الشيء أو ذاك، بل إلى ما لا يُشار إليه أصلًا، بل يوضَعُ كعلامةٍ له فقط ø une marque. فعل التّسمية هنا (l’acte de nomination) لم يتورّط في عودةٍ إلى «الانعطافة اللغوية» أو «التوجّه البنائي» الذي ناضل باديو طويلًا ضدّهما: «أي أنّ تكون مجرّد التسمية مُستوْجبةً للوجود»(28). ثمّة في هذا المقام هوّةٌ بين الاسم والمسمَّى، لا يعود معها المسمَّى العادي الذي نعرفه. فـ«الفراغ لا يُشير إلى الواحد، كما أنّه ليس واحدًا ولا كثيرًا… ليس ثمّة هذا الفراغ الواحد، بل “فراغ” هو شبحُ اللاإتّساق»(29) أي الكثير المَحْض. «مجرّد التسمية» هي غير «التسمية المجرّدة». ففي حين تُشير الأولى إلى الواحد المُسمَّى، لا تُقدّم لنا الثانية أيَّ مؤشّر اختلاف (indice de différence) على ما تكون علامةً له؛ لكونِه كما ذكرنا، ليس واحدًا ولا كثيرًا. لذلك يبقى هذا الاسم للكينونة (الفراغ) الذي تبدأ معه الأنطولوجيا لحظةَ إقراره «مُلغِزًا على الدوام»(30). فهو لا يُشير سوى إلى ذاته، ولا يُعلن إلا عن نفسِه بنفسِه. إنّه اسمٌ لـ اللاشيء. والكينونة التي يكون الفراغُ أمارةً عليها، هي أيضًا ليست واحدًا ولا كثيرًا. الكينونة هي ما يمْثُل كـ«كثير محْض»، واختصارها أحيانًا بالقول بأنّ «الكينونة كثرةٌ لا يخلو من مُخاطرة»(31). ثمّة فرقٌ بين الكينونة بما هي كينونة (être en tant qu’être) والأنطولوجيا التي هي العِلْمُ المُفتَرض للكينونة بما هي كينونة. فإذا كانت الكينونة بما هي، تقع خارج جدليّة الواحد/الكثير، فإنّ عِلْمَها الخاصّ (الأنطو لوجيا) يظلّ مربوطًا بهذه الجدليّة، بما أنّ هذا العِلْم يُمثّل الوضعيّة التي من خلالها تمْثُل (تَعْرِضُ) الكَثْرةُ المَحْضة. وكل وضعيّة هي عبارة عن كَثرةٍ معروضَة أو ماثِلة (j’appelle situation toute multiplicité présentée)(32). وعليه، فالكينونة ليست هي «الآخر» ولا «العينُه» أو الهوهو؛ لا الحركة ولا السكون. ومعادلةُ «الفراغ = الكينونة» لا تُفيد هنا أيَّ هويّة مشتركة (identité commune) بينهما، بل مجرّد تسمية مَحْضة، وضّحنا تمايزها المُطلق عن التّسمية العاديّة التي تكون للأشياء داخل وضعيّة ما؛ حيث المُسمّى يُنظر إليه هناك كـ«واحد». هل تكون كينونة باديو بذلك، «جنسًا ثالثًا» على غرار خورا أفلاطون، خصوصًا إذا عرفنا بأنّ باديو يُردد مرارًا وتكرارًا، بأنّ الكينونة هي موْضِع الموْضِع (le lieu d’avoir lieu) مستعيدًا عبارةً لـ مالارميه. كما أنّ الأنطولوجيا ليست مُمكنةً برأيه إلا كوضعيّة أو كموْضِع انفسَح مجالُه انطلاقًا من موْضِع الموْضِع أي الكينونة الخورا. هل ثمّة استعادة هنا للفرْق الأنطولوجي عند هايدغر بين الكائن والكينونة أي تحديدًا بين فعل الكينونة نفسه وكلّ ما عنه يكون؟ لكنْ ينبغي الالتفات علاوةً على ذلك إلى معنييْن للفراغ، حدَّدهما باديو. الأول، الفراغ بما هو اسمٌ للكثير المَحْض أي فراغ اللاإتّساق (الأثر الشامل). والثاني، الفراغ الخاص بالأنطولوجيا بما هي وضعيّة مخصوصة، أي فراغ الإتّساق أو البُنية (الأثر الموضعيّ).

“Le rien est autant celui de la structure, donc de la consistance, que du multiple pur, donc de l’inconsistance. C’est à bon droite qu’on dit que rien ne se soustrait à la présentation, puisque c’est de son double resort, la loi et le multiple, que le rien est le rien“(33).

عن الفراغ الأول الخاص بالكَثرة اللامتّسقة نقول أنّه «يكون» بما أنّه اسم العلَم المَحْض لها. أما عن الفراغ الثاني الخاص بالكثرة المُتّسقة أي بالوضعيّة وتحديدًا الأنطولوجية؛ فنقول أنّه يوجد، لكنْ كموجود (existant) غير ماثلٍ داخل الوضعيّة (imprésentable). أي أنّ وجودَه رهنٌ بوجهة نظر الوضعيّة نفسها التي تحتَسِبُه موجودًا فيها، من دون أن يكونَ ماثلًا كحدٍ (un terme) من حدودها. والسؤال الذي يُطرح هنا: ما نوع هذا الوجود للفراغ؟ وكيف يُبرهَنُ عليه؟ وما الذي يجعل وجودَه في المقام الأول؟ إذ «ليس هناك من سبب» كي يزعمَ الفراغ لنفسه الحقَّ في الوجود على غيره(34). للإجابة عن هذه الأسئلة يجب الانطلاق من المبدأ الآتي: أنّ ما لا يُمكن البتّ فيه (l’indécidable) يجب إقرار وجوده أكسيوميًا. وإذا ما عرفنا أنّ باديو ينظر إلى الفراغ داخل الوضعيّة الأنطولوجيّة بوصفه كذلك، فقد صار لإقرار وجوده الأولويّة المُطلَقة على كلّ الأشياء الأخرى.

“Le rien nomme cet indécidable de la présentation [الوضعية] qui est son imprésentable, distribué entre la pure inertie domaniale du multiple [اللامتّسقة] et la pure transparence de l’opération d’ou procède qu’il y ait de l’un [المتّسقة]”(35).

وعليه، فإن الأنطولوجيا في نظر باديو لا يُمكنها أن تكون شيئًا آخر غير نظريّة في الفراغ، ومن ثمّ لا يجب عليها إقرار أي حدود أخرى غير الفراغ، على نحو أكسيوميّ(36). الفراغ هو الموجود الوحيد. (L’ontologie ne peut donc compter comme existant que du vide)(37). وقد فَهِمَت المدرسة الذريّة اليونانيّة هذا الأمر نسبيًّا، حين أقرّت بوجود الفراغ كمبدأٍ أوّل بمعيّة الذرّات (Atomes)، لكنّها أخطأت عندما رأت في هذه الأخيرة، مبدأً ثانيًا للكينونة بما هي كينونة، فيما كان الأجدر بهؤلاء الماديّين القدماء أن ينظروا إلى الذرّات بوصفها تركيباتٍ مُخْتلفة من الفراغ نفسه(38) (composition du vide lui-même). وبما أنّ الفراغ يظلّ غير قابلٍ للتمييز (indiscernable) بما هو حدٌّ داخل الوضعيّة عن الحدود الأخرى فيها؛ لكونه ليس واحدًا ولا كثيرًا، فإنّ مجيئَه التدشيني (son advenue inaugurale) إلى الوضعيّة سيكون فقط من خلال فعل التسمية (l’acte de nomination)(39). مع التشديد طبعًا على أنّ الاسم (∅) إنّما يُسمّي ما يبقى مطروحًا من الوضعيّة وغير ماثلٍ فيها. إنّنا لا نستنتج هنا وجودَ شيء ما انطلاقًا من مجرّد إعلان اسمه بل على العكس تمامًا: نضعُ اسمًا خاصًّا لما قد تمّ إقرارُ وجودِه مسبّقًا أي الكَثرة اللامتّسقة التي يُسمّيها الفراغ داخل الوضعيّة. هل في ذلك شَبَهٌ بالمَنْطِق الديني، والإسلامي تحديدًا؟ إذ أنّ الله «ليس كمثلِه شيء» أي أنّه ليس أحدًا من الكائنات. وعليه، فإنّه بمثابة «لا شيء» داخل كل وضعيّة مهما كانت. لكنّه في الوقت نفسه يأتي إلى كل وضعيّة من خلال التلَّفُظ المَحْض باسمه (أو بأسمائه الكثيرة) الذي يُشكّل بذلك الفعلَ الوحيد التدشيني لوجوده. إنّه يحتفظُ بمكانةٍ مخصوصة، إذا جاز التعبير، داخل كل وضعيّة بواسطة اسمه الذي يسمِّي انطراحَه منها. إنّه موجود وغير موجود. هل نقول عنه أيضًا: محايثًا للوضعيّة ومتعاليًا عنها في آن واحد؟ إذا كانت هذه المُماثَلة صحيحة بمعنى ما، فإنّ الكينونة بما هي كينونة ستُمثّل الله، أما الفراغ فسيُمثّله اسم الله. بالطبع، فإنّ ما يُبقي هذه المُماثلة في دائرة الجزئيّة، هو كون الله في الدين، وتحديدًا في اللاهوت السّلبي، هو واحد الكينونة (L’Un de l’être) أو الآخر المُطلق (L’Autre absolu)، بينما باديو قد قرر، ومنذ البداية، بأنّ «الواحد لا يكون»؛ لأنّ العصرَ في رأيه ظلّ «وفيًّا» لنيتشه في تحقيق أو تفعيل عبارتِه الشهيرة التي أعلن بها «موت الله»!

الفراغ المستحيل

لا يكتفي باديو بعرْضِ أفكاره والدفاع عنها بل يذهب إلى أبعد من ذلك. إنّه يبحثُ عن هذه الأفكار وعن بذورها الأولى عندَ غيره من الفلاسفة الكبار (أفلاطون، أرسطو، ديكارت، لايبنتز، سبينوزا، روسو، هيغل وهايدغر) من خلال قراءةٍ تأويليّة لنصوصهم، تتحرّى فيها فرضيّات بقيَت مطموسةً أو قابعةً في «اللاوعي الفلسفي» إذا صحّ التعبير؛ أي لم تخضعْ برأيِه للفحص بعد، الأمرُ الذي يُخرجُها عن سياقِها الأصلي، من أجل أن تُلامسَ الثيْمات نفسها التي يطرحها باديو(40). قراءةٌ من شأنِها أن تضعَ الفيلسوف الذي تتناوله أمام «نقطة المُحال» الخاصّة بفكره (son impossible propre )، يقترب في حال زُحزح عنها، من النقطة التي يقف عندها باديو. ما الذي يريدُه إذن من الحوار مع أرسطو بشأن الفراغ؟ ربَّ سؤال لن يجد إجابته الحاسمة سوى في هذه القراءة التي اعتمدها باديو، والتي تُحاول أن تضعَ يدها على «أعراضٍ»(41) (symptomatic reading) كامنة في فلسفات الآخرين، تومىء إلى ما فكَّره هو شخصيًا. فإذا كان أرسطو قد أكّد في الكتاب الرابع من (الفيزيقا) على استحالة الفراغ في الطبيعة؛ لأنّه يفتقد من وجهة نظره، لكينونةٍ تكون قابلةً للتصوّر (concevable)، سواء على نحو منفصل أم غير منفصل؛ فإنّ المهمّة الواجبة في نظر باديو، هي اكتشاف «نقطة الضعف الأنطولوجيّة» الكامنة داخل الأجهوز الأرسطيّ التي جعلته يُنكر بالمُطلق وجود الفراغ(42). ومن ثمّ بيان أنّ هذا الإنكار أو الرفض إنّما يشهد على المفهوم نفسه الذي وضعه هو للفراغ بدل أن يقف ضدّه. فمن المعلوم أنّ أسبابًا «منطقيةً» دفعَ بواسطتها أرسطو الفراغ خارجَ دائرة المُمْكن الطبيعيّ في التجربة الحسيّة العادية. فالفراغ بالنسبة إليه هو الموْضِع الذي لا يكون فيه شيء le lieu dans lequel rien n’est) τὸ κενὸν τόπος εἶναι ἐν ᾧ μηδέν ἐστι)(43). إلّا أنّ موضعًا مثل هذا لا وجود له عند أرسطو؛ تشهدُ على ذلك برأيه الحركةُ الطبيعيّة للأجسام. إذ لو كان الفراغ موجودًا لامتنعت بذلك الحركة. ذلك أنّ الفراغ يعني: السيّانيّة (l’in–différence)، اللانهائية (l’in–finité)، اللاقياس (la dé–mesure). ربَّ تعيّنات ثلاثة تقفُ عائقًا أمام الحركة، حَدَت بأرسطو إلى رفض كل كينونة طبيعية للفراغ (tout être naturel au vide). لكن هل يُمكن أن تكون له إذْ ذاك «كينونةٌ غير طبيعية»؟(44) (un être non naturel). إنّ الفراغ بما هو، لا ينطوي على أيّ فرْقٍ، بينما تقتضي الحركة تفريقًا (différenciation). هذا التفريق يسمّيه أرسطو الموْضِع (le lieu) حيث يتحرّك الجسم. كما أنّ الفراغ واللامتناهي (اللامحدود l’illimité) هما عندَه شيء واحد. اللامتناهي هو اللاموجود (le non–étant (45) μή ὄντος τόν) أي انعدام المثول نفسه (la présentation elle-même) بانعدام الحدّ الذي من خلاله يظهر الشيء (son limite πέρας)(46). وعليه، فليس ثمّة فرْق هناك ولا حركة إلّا بوصفها حركةً لامتناهية، بما أنّ لا شيء فارقًا يُمكنه أن يضع حدًّا لها. فما أثبتَه العلمُ الحديث حول صحّة هذا الاستنتاج المُستبْعَد، قد شكَّل «مُحالًا أنطولوجيًا» في نظر أرسطو! هذا التماهي بين الفراغ واللامتناهي، يرى باديو أنّ أرسطو وضعَ من خلاله الفراغَ خارجًا عن كلّ وضعيّة (hors situation)، جاعلًا منه شيئًا غير قابلٍ للمثول فيها(47). فيكون الفراغ بذلك هو الفائض عن الكينونة بما هي كينونة طبيعية قابلة للتفكير (l’excès sur l’être comme disposition pensable et naturelle). بعبارة أخرى، الفراغ فائضٌ عن الحدّ المُلازم لكل وضعية (طبيعية)، الأمر الذي يحرِمُه حتمًا من أن يكون له كينونةٌ. كما أنّ سيّانيتَه تمنعُه كذلك من أن يَفرُقَ عن نفسه، كي يكون ثمّة وِجهة أو مقْصَد للجسم المتحرّك فيه، ما يُبطل الحركةَ داخله تمامًا. وإذا ما تحرَّك جسمٌ ما في الفراغ، فستكون له سرعةٌ لامتناهية، بما أنّ مقاومةَ الموْضِع فيه تساوي صفرًا، الأمر الذي يعني فعليًا إنهيار كل قياس للحركة. والحركة التي لا يُمكن قياسُها ليست بحركة. أن لا يكون ثمّة فراغٌ إذن (le vide n’est pas) برأي أرسطو، هي «نتيجة متماسكة»(48) في نظر باديو، إذا ما فهمنا من كلمة «يكون» (être) النظام المحدود للمثول، وتحديدًا الطبيعي منه. ففي كل مرّة، يُسمّىَ فيها الفراغ داخل وضعية ما، فإنّه يُصبح بذلك، فائضًا عن تلك الوضعية، أي أنّه يجلُبُ اللاإتّساق إليها: السرعة اللامتناهية للأجسام، لاوِجْهَة الحركة، واللامحدودية (غياب الحدّ) التي تصيبُها. إلا أنّ أرسطو قد استبعدَ فرضيةَ أن يكون الفراغ عبارةً عن نقطة؛ بما أنّ النقطةَ اللاممتدّة لا تستوعب امتداد الجسم الملموس (le corps tangible) فيها. بل على العكس، عَمِلَ على عزْلِ هذه الفرضية بالقول:

“Absurde (hors-lieu) que le point soit vide“. (49)

(Ἄτοπον δὲ εἰ ἡ στιγμὴ κενόν(50))

ذلك أنّ أرسطو لم يتمكّن، برأيه باديو، من أن يُفكِّر الفراغ بمعزل عن الموْضِع. هنا بالضبط يكْمُن «مستحيلُه الخاصّ». ما لا يُمكن له أن يُفكِّرَه أو يقوله. ما يظلّ خارجًا عن قولِه، رغم ملامسَتِه له. وهنا أيضًا، يرى باديو أنّ دورَه حاسمٌ في قول ما لمْ يقلْه المعلّم الأول، متخطيًّا «نقطة المستحيل» الأرسطيّة، بخصوص مسألة الفراغ:

“Le vide, dès lors qu’inlocalisable (ou hors-situation) ait a être pensé comme pur point…c’est la solution ontologique véritable…le vide est le point d’être imprésentable de toute présentation…qu’il faille penser, sous le nom de vide, le hors-lieu dont tout lieu–toute situation – se soutient quant à son être.Que le sans-lieu (Ἄτοπον) signifie l’absurde fait oublier que le point, de n’être pas un lieu, peut justement pallier les apories du vide. C’est parce qu’il est le point de l’être que le vide est aussi presqu’être qui hante la situation où l’être consiste.L’insistance du vide in-consiste comme délocalisation“(51).

إنّ انسدادَ الأفق أمام فلسفة أرسطو في مسألة الفراغ، والإحراجات التي أوقَعَت نفسَها فيها عند افتراض وجوده في الوضعيات الطبيعية، ما أدى في نهاية المطاف إلى إنكار كينونته، كان مقدورًا برأي باديو تفاديه، من خلال قبول فرضيّة أن يكون الفراغ نقطةً (وليس موضِعًا) خارج الوضعيّة، غير ماثلةٍ فيها، لكنّها تطاردُ الوضعيّةَ على الدوام، من حيث كينونةُ هذه الأخيرة، وتجلُبُ إلى كَثرَتها المتّسقة، في كلّ مرّة، اللاإتّساق الذي يُخرِّب نظام اتّساقها (أي الواحد الذي يغلّفُها). الفراغ بهذا المعنى هو الشبح أو شبه ـ الكينونة الـ (presqu’être) الذي لا يوجد سوى كاسمٍ محْض للكينونة نفسها، أو كـ«إزاحة عن الموْضِع» délocalisation داخل الوضعية. لكنّ هذا القبول، يتوقّف بالنسبة إلى باديو، كما صار معلومًا لدينا، على قرارٍ أنطولوجي أساسي في «أنّ الواحد لا يكون». ربَّ قرارٍ يرى باديو أنه كفيل بأن يُقدّم «حلًا أنطولوجيًا» لمسألة الفراغ التي طرحها أرسطو في كتابه «الطبيعة»، من غير أن يتمكّن من الوصول بها إلى حلِّ معقول ومُرضٍ أنطولوجيًا.

الأنطولوجيا كوَضْعيّة

على غرار كانط الذي بحثَ عن شروط إمكان الميتافيزيقا عمومًا في «نقد العقل المحض» وفي «مقدّمة لكل ميتافيزيقا مُقْبلة يُمكن أن تصيرَ علمًا»، سيتحدّث باديو عن «الشروط القبْليّة لكل أنطولوجيا مُمكنة». الأنطولوجيا بما هي خطابٌ حول الكينونة بما هي كينونة un discours sur) l’être en tant qu’être). لا يُمكن أن تكون لدينا أنطولوجيا إذن إن لم تكن عبارةً عن «وضعية»! (“L’ontologie si elle existe est une situation“(52)). ذلك أنّه «ليس ثمّة إلاّ وضعيّات»(53) (il n’y a que des situations). لكن ما الذي يقصدُه باديو من ذلك؟ لماذا على الأنطولوجيا أن تكون وضعيّة؟ وما هي الوضعيّة أولًا؟ أسئلةٌ يجدر بنا التوقّف عندها إذا أردنا أن نفهمَ فلسفة باديو. كما يتطلّب بيانُ إجاباتِها العودة إلى جدليّة الواحد والكثير التي بدأنا بها هذا الفصل، وبلورتِها على نحو أوضح وأكثر تفصيلًا. كان باديو قد توصّل انطلاقًا من فرضيّة «الواحد لا يكون» التي عمِلَ على قراءة محاورة «بارمنيديس» على هدّيها، إلى أنّ ثمّة نوعيْن من الكَثرات: الكَثرة اللامتّسقة أي الخالية من الواحد تمامًا؛ والكَثرة المتّسقة غير الخالية من الواحد تمامًا بل المركَّبة من وَحَدات عدّة. وقد عرَفنا أنّ الكينونة بالنسبة إلى باديو هي على جِهة الكَثرة الأولى بينما الوضعيّة على جِهة الكَثرة الثانية. كما تبيّن معنا أنّ الوضعية وفقَ تعريفه لها، هي كلّ كَثرة معروضة أو ماثلة، تكون متّسقة بالضرورة. وقد جرى التمييز بين الكينونة بما هي كينونة والأنطولوجيا التي هي علم الكينونة. الكينونة تقعُ خارجَ جدليّة الواحد والكثير بينما الأنطولوجيا متعلّقة حتمًا بهذه الجدليّة. وعليه، جرى القول بأنّ الكينونة لا وضعيّة لها، أما الأنطولوجيا فهي وضعيّة محدّدة، يَمْثلُ فيها الكَثير المَحْض الذي بلا واحد. كل ذلك سبَق لنا أن ذكرناه وعرضنا لبعض حيثيّاته، لكنْ في إطار أوسع. لذلك، فالمطلوب الآن أن نأتيَ بهذه المفاهيم (الكَثرة اللامتّسقة/المتّسقة، الوضعيّة، العروض أو المثول) إلى إطارها الخاصّ أو سياقها الطبيعي من أجل الإضاءة على الأنطولوجيا كما يفهمها باديو.

العروض/المثول

البداية ستكون مع مفهوم مركزيّ هو: العروض أو المثول (la présentation). لا يقدّم باديو تعريفًا صريحًا له بل يستخدمه على الفور منذ المقدّمة في «الكينونة والحدَث» والفصل الأول تحديدًا، كأنّما هو مفهومٌ واضحٌ بذاته (va de soi)، ولا يُثير من ثمّ، أيّ مشكلات أو يطرح باقةَ تساؤلاتٍ، تبقى إجاباتها معلَّقة من داخل سيستامِه الأنطولوجي نفسه(54). المرّة الأولى التي يَردُ فيها هذا المفهوم في مقدّمة الكتاب المذكور، يأتي في سياق الحديث عن الرياضيات بوصفها الأنطولوجيا.

“Les mathématiques ne présentent, au sens strict, rien, sans que pour autant elles soient un jeu vide, puisque n’avoir rien a présenter, hormis la présentation elle-même, c’est- a- dire le multiple”(55).

وفي المقدّمة نفسِها، لكنْ في سياق تحديد الافتراق الأساسيّ عن هايدغر، يطرح باديو في قِبالة «القُرْب الشّعري» للكينونة، ما يُسمّيه البُعْد الانطراحي للأنطولوجيا الذي يستَبْعد كلَّ عروضٍ أو مثول.

“A la séduction de la proximité poétique… j’opposerai la dimension radicalement soustractive de l’être, forclos non seulement de la représentation, mais de toute présentation. je dirai que l’être, en tant qu’être, ne se laisse d’aucune facon approcher, mais seulement suturer dans son vide a l’âpreté d’une consistance déductive sans aura.”(56).

أما في الفصل الأول المُخصّص لبحث مسألة الواحد والكثير بوصفها إحدى الشروط القبْليّة للأنطولوجيا، فإنّ باديو يُسْهِب في ذكر هذا المفهوم، جاعلًا منه حجرَ الأساس في التمييز بين أنواع الكَثرة. الاقتباس الأول، يؤكد بأنّ الرياضيات لا تعرِض شيئًا محدّدًا أي هذا الشيء أو ذاك بل إنّها تعرِضُ العروضَ نفسه؛ أي الكثيرَ المَحْض. أمّا الاقتباس الثاني، فيُشدِّد على أنّ البُعْدَ الانطراحي للأنطولوجيا (الكينونة بما هي كينونة) يقف سدًّا منيعًا بوجه كل تمثُّل للكينونة أو كل محاولة لجعلِها معروضةً أو ماثلةً ضمن وضعيّة ما. وعليه، فإنّ العروْضَ للوهلة الأولى هو ما يمثُل أو يحضُر أمام الفكر. من هنا يسأل باديو: هل هذا المعروض (أو المُحْضَر) أمامنا، هو كثيرٌ أم واحد؟ بعبارة أخرى: هل نظامُ العروْض أو المثول هو كثيرٌ أم واحد؟ ثمّة أطروحتان متناقضتان: إنّ «ما يعْرِضُ نفسه أمامنا هو أساسًا كثير»؛ إنّ «ما يعْرِض نفسه أمامنا هو أساسًا واحد». أيّهما الأطروحة الصحيحة؟ إنَّ تبادليّة (réciprocité) الواحد والكينونة تضمنُ على نحوٍ لا يخلو من إحراج فلسفيّ صحّةَ الأطروحة الثانية التي عَمِلَ لايبنتز على تأبيدِها: «لا يكون، ما ليس واحدًا» (ce qui n’est pas un être n’est pas un être). لكن قبول ذلك، يعني نفيَ الكثير، الأمر الذي يَنْبذُه الفكر؛ إذ أنّ ما هو معروضٌ أمامنا، هو كثير. إذن، علينا قبول الكثير ونفي الواحد. لكنّ الفكر يَنْبذُ هذه النتيجة أيضًا؛ إذ أنَّ الكثير لا يكون معروضًا كـ «كثرة» إلاّ في حال النظر إليه من خلال الواحد أو بالأحرى احتسابه كواحد(57). لتوضيح الأمر، نُبسّطه على النحو الآتي: كل موجود أمامنا (un étant) لو نظرنا إليه، فهو يبدو لنا كشيءٍ واحد: هذه الطاولة، هذا المنزل، هذه الذَرَّة… إلخ. هذا «الاحتساب كواحد» le) compte-pour-un). ضروريّ من أجل مثول الموجود أمامنا. من جهة ثانية، لو نظرنا إلى هذا الشيء «الواحد» نفسه، فسنَجِدْ أنّه في الحقيقة كثيرٌ؛ أي أنَّه مؤلف من وحدات صغرى لامتناهية. لا يشذّ عن هذه الواقعة شيء. وعليه، فإنّ الكَثير هو نظامُ مثول الأشياء أمامنا le multiple est le régime de) la présentation)، أمّا الواحد (الذي لا يكون) فليس سوى أثرٍ لعمليّة الاحتساب كواحد (l’un est au regard de la présentation un résultat opératoire). إنّ هذه العملية (أي الواحد ـ الأثر) هي شرطُ إمكان مثول الكَثرة أمامنا، ذلك لأنّ كثرةً بلا واحد أي محْضة، هي كَثرة تشذّ عن كل عروض أو مثول. إذ ليس ثمّة حدسٌ (intuition) أو تمثّلٌ لدينا، لكَثرةٍ من هذا النوع أي للكثير بما هو كثير. لذلك، الأنطولوجيا هي الرياضيات في نظر باديو؛ لأنّ هذه الأخيرة هي وحدها من تستطيع تفكير هذه الكَثرة (نظرية المجموعات). إنّ فرضيّة «الواحد لا يكون» تظلّ فرضيةً أساسيةً أي قرارًا أنطولوجيًا بالنسبة إلى باديو، لكنْ في مقابل ذلك، من الصحيح عندَه القول بأنّ «ثمّة واحد» (il y a un) أو بالأحرى، «ثمّة» فقط (il y a). هذا «الواحد» يوجَد كما قلنا كعمليّة (opération) فحَسْب. لكنّ السؤال الأساسي الآن: ما الذي يمثُل أمامنا؟ أو ما الذي يَعْرِضُ نفسَه علينا؟ بعبارة أخرى، ما هذا الذي يأتي إلى المثول أو العروض؟ لا يتردّد باديو في الإجابة: إنّها الكينونة(58) (l’être est ce qui se présente). بَيْدَ أنّ الكينونةَ بما هي، ليست واحدًا ولا كثيرًا. ليست واحدًا، أولًا لأنّ هذه فرضيّة الأنطولوجيا المركزيّة، وثانيًا، لأنّ عمليّة الاحتساب كواحد، إنّما تتعلّق حصرًا بالمثول أي العروض وليس بالكينونة. وهي ليست كثيرًا أيضًا، لأنّ الكثيرَ ليس سوى نظام المثول فقط. بعبارة دقيقة: لا تكون الكينونةُ كثرةً إلا حينما تأتي إلى العروض أو المثول(59).

سبَق أن أشرنا إلى أنّ القول: «الكينونة هي كَثرة»، ينطوي في نظر باديو على «مخاطرة»، ومن ثمّ، فإيرادُه في النصّ الفلسفي، فيه تجوّزٌ كبير. هنا، يكمُن البُعْدُ الانطراحي للكينونة. لكن كيف تأتي الكينونةُ غير القابلة للمثول إلى العروْض أو المثول؟ ولماذا تأتي أصلًا؟ وما الذي يأتي بها؟ ربَّ أسئلةٍ سنرجِع إليها لاحقًا بعد أن نُجمِّعَ القِطَعَ الباقية من الصورة الكبيرة لأنطولوجيا باديو، وتحديدًا إلى نوعيْ الكَثرة عندَه، وعلاقتهما بالمثول من جهة، وبالوضعيّة من جهة ثانية. ولا يفوتنا في هذا المقام أن نسترجعَ النتائج السّابقة التي عرَضنا لها: ثمّة كَثرتان (deux multiplicités). الكَثرة اللامتّسقة (inconsistante) والكَثرة المتّسقة (consistante). الأولى هي بلا واحد (sans–un)، أمّا الثانية فهي بمعيّة «الواحد الأثر» (l’effet–un). الكَثرة المتّسقة هي التي يكون لها ثمّة مثولٌ فعليّ (présentation effective)؛ يُسمّيه باديو «الوضعية». أما الكَثرة اللامتّسقة، فلا مثول لها ولا وضعيّة. لذلك فهي الكينونة، التي لا يُمكن لها أن تعرِضَ نفسها بما هي كينونة، رغم أنّها تكون متضمّنةً في كل ما يعرِضُه مثولٌ ما.

“”l’être” soit compris dans ce que présente toute présentation.one ne voit pas qu’il puisse se présenter en tant qu’être”(60).

هذه الكثرة اللامتّسقة لا يمكن للفِكر أن يقبِضَ عليها؛ لأنّ التفكير يتطلّب وضعيةً معيّنة للمعقول المُفكَّر فيه، أي بُنْية structure أو عملية “احتساب كواحد”، حيث ثمّة كثيرٌ معروض ومتّسِق، وقابل للعدّ(61). إنّها بذلك، “أفقُ كينونة” يظلّ خارجًا عن كل بُنْية فكرية horizon d’être insaisissable. وعليه، فعندما يقول باديو بأنّ الكينونة ليست كثرةً، إنّما يقصِد بذلك، الكثرةَ التي تكون معروضةً أي كثرةَ الوضعية. فهذه الكَثرة (المتّسقة) هي نظامُ العروض، وهي تخضع حتمًا لجدليّة الواحد والكثير. وينبغي من ثمّ، تمييزها تمييزًا مطلقًا عن الكَثرة اللامتّسقة التي تقعُ أساسًا خارج تلك الجدليّة، وخارج كل فكر، أي بمعنى ما يُمكنه أن يلمَّ شتاتَ هذه الكَثرة (إذا جاز التعبير) تحت شكل موضوع للفكر figure d’objet pour la pensée. ذلك أنّها كَثرة محضة أو كثرة بلا واحد. إنّها بعبارة أخرى، التجليّ الأساسي لتغييب الواحد L’un أي لفرضية “الواحد لا يكون” التي عليها قامت أنطولوجيا باديو (الرياضيّة).

إنّ كل مثول يفترض إذن “واحدًا” يكون بوصفه نتيجةً لعملية احتساب. هذا الواحد هو شرط كل مثول أو بالأحرى نظام المُمكن من المثول نفسه “le régime du possible de la présentation elle–même“(62). وبذلك، فإنّ الاحتساب كواحد الذي من شأنه أن يولّد كثرةً متّسقة من خلال أنّه يمنحُها بُنْيتَها الخاصّة، يقِفُ في الوسط بين هذه الكثرة الموَّلدَة (المتّسقة) والكثرة اللامتّسقة. أي بين الواحد ـ النتيجة، واللاواحد le non – un. وبما أنّ الأشياء كما هي ماثلة أمامنا، لها بُنْية محدَّدة، أي واحد خاصّ بها، فإنّ التفكير في الكَثرة اللامتّسقة أي التي بلا واحد، لا يُمكن إلاّ أن يكون تفكيرًا بأثرٍ رجعي rétroactivement، أي انطلاقًا من النقطة التي نقرّ بها أنّ الواحد لا يكون. أي بالإجابة عن السؤال: ما الذي يكون قبلَ أن نأتي بواحد البُنْية أي الواحد الذي هو نتيجة لعملية الاحتساب؟ والجواب الحاسم عند باديو، هو طبعًا: الكَثرة بلا واحد أي الكثرة اللامتّسقة. هذه الكَثرة هي حقيقة كل مثول بما هو أي المثول المَحْض la pur présentation، المُدرَك بمفعول رجعي كـ”لا ـ واحد”rétroactivement appréhendée comme non-une dès lors que l’être-un est un résultat وليس المثول بما هو مُبنْيَن structuré. ويُطلق باديو على هذه الكَثرة اسمًا آخر هو: الكَثرة الهامِدة (أو العاطلة) multiplicité d’inertie في مقابل الكثرة التركيبية multiplicité de composition التي هي نتيجة أو أثر البُنْية effet de la structure. ورغم غرابة اسم الكثرة الأولى، فإنّ “الهمود” هنا ربما يُشير في نظر باديو إلى أنّ هذه الكَثرة ما زالت بمنأى عن عملية الاحتساب كواحد، المُنتِجة للبُنْية؛ وكأنّها بذلك، متروكة لقصورها الذاتي عن توليد البُنْية. فالكينونة المَحْضة لا بُنية لها(63)

“il n’y a pas de structure de l’être“.

من اللاإتّساق إلى الإتّساق

لكنْ بالعودة إلى الأسئلة المطروحة أعلاه، عن الصّلة التي بين الكَثرة اللامتّسقة والكَثرة المتّسقة، أو بين الكينونة غير القابلة للمثول، والمثول الواحدي présentation unaire la في الوضعية، فإنّ أنطولوجيا باديو لم تنجح، برأي البعض، في تخريج هذه “الصّلة الضرورية”، ما جعلها في نظرهم “غير ناجزة بعد”(64). هل نحن مرةً أخرى، أمام فرْقٍ أنطولوجي على غرار فلسفة هايدغر، يجعل من الكثير المَحْض والاحتساب كواحد نظامَيْن مختلفَيْن، يتعلّق الأول بالأنطولوجيا بينما الثاني يتعلّق بالفينومينولوجيا(65)؟ أم أنّنا أمام فرْقٍ أنطولوجي “جديد” داخل الكينونة نفسِها، هو في الحقيقة “فرْق مُضاعَف” une différence ontologique au carré يَقسُم “واحد الكينونة” عند هايدغر l’Un de l’être إلى اثنيْن (اللاإتّساق والإتّساق)، من خلال “القرار الأفلاطوني”: الواحد لا يكون(66)؟ من المعروف أنّ دولوز الذي تمسّك بالتواطوء l’univocité لم يرَ في الكينونة بما هي كَثرة محضة، سوى الإتّساق الماديّ نفسه الذي يَظْهَر في الهنا والآن son hic et nunc تحت شكل الوحدة forme unitaire؛ إذ أنّ السيمولاكرات التي هي ترهينات (تحييْنات) actualisation للكَثرات الافتراضية multiplicités virtuelles، إنّما لها عندَه، كينونةٌ واقعية(67). وعليه، فليس ثمّة فرْق أنطولوجي في فلسفة دولوز، بين الكينونة بوصفها كَثرة، والمثول بوصفه واحدًا أو وِحْدةً. فكلاهما “يكونان”: الكثير والواحد، أي أنّنا أمام ما يُسمّيه الواحد ـ الكل. هذا التواطؤ هو ما يرفضه باديو بإطلاق؛ لأنّه يُعيدنا برأيه إلى سَطْوَة الواحد. في المقابل، على الكينونة أن تُفكَّر بوصفها كَثرةَ لامتّسقة “من دون أي توحيد مُحايِث”(68) unification immanente أي أنّ محمولها الوحيد غير القابل للاختزال هو الكَثرة نفسها ولا شيء آخر. لكنّ باديو يقرّ مع ذلك، بأنّه على المستوى الأنطولوجي، أن “يكون” être، وأن “يكون حاضرًا” être present ليسا الشيء عينه، بما أنّ هذا الأخير يكون مُبَنْينًا (مُهيْكلًا) بينما الأول يشذّ عن كل بُنْية، طالما أنّه يجلب اللاإتّساق(69) il inconsiste. وهذا إثبات واضح للفرْق القّار في فلسفته بالمعنى الذي نجده عند هايدغر بين الأنطولوجي والأنطيقي (الكائن). ثمّة بالتأكيد فينومينولوجيا (الوجود ـ هناك l‘être–là، أو الكينونة بما هي تمظهر) بالمعنى الهيغلي، في قِبالة الأنطولوجيا (الكينونة بما هي كينونة). لا يتهرّب باديو من هذا الإحراج، بل يطرح السؤال عنه على الطريقة الكانطية في معالجة مسألة الإمكان: كيف أمكنَ للحيادية، لللاإتّساق، وللإنتشار السيّاني للكينونة بما هي كينونة، أن تأتيَ إلى الإتّساق بوصفه كينونة هناك؟ بعبارة أخرى: كيف يمكن للاّصلة la déliaison الأساسية للكينونة ـ كثير l’être – multiple، أن تُقدّم نفسَها كصلة موْضعيّة liaison locale، ومن ثمّ كاستقرار للعوالم؟ لماذا وكيف ثمّة عوالم، وليس الفوضى le chaos؟(70) لقد شغل هذا السؤال/الأسئلة الجوهري هايدغر طويلًا، وقد أمضى طوال حياته الفلسفية في البحث والتحرّي عنه، متقلّبًا بين إجابة وأخرى(71). بمصطلحات هايدغر سيصيرُ السؤال هو: كيف الكينونة والكائن يتعالقان أو يتضايفان؟ فمرةً يقول بأنّ “الكينونة لا تجيء إلى الحضور من دون الكائنات” Das Sein nie west ohne das Seiende ومرة أخرى سيقول العكس، أي أنّ “الكينونة قد تجيء إلى الحضور من دون الكائنات” das Sein wohl west ohne das Seiende. وبرغم ما يُسمّى بـ “المُنعرج” Die Khere بين مرحلة الـ Sein و مرحلة الـ Seyn، فإنّ الـ Dasein ظل محتفظًا بمحورية ما، في العلاقة مع الكينونة سواء في انكشافها أو انسحابها(72). بالنسبة إلى باديو، لن يكون ثمّة دازاين ولا أيّ ذات، لتخريج “الجواب” عن هذه المُعضلة الكبرى في تاريخ الفلسفة. ولن يكون للفينومينولوجيا (دراسة التَمظْهرات في الهناك) أيّ دور في ذلك. بل سيقتصر الأمر على الأنطولوجيا نفسها، من خلال مفهوم الكل le tout الذي “لا يكون” أو بالأحرى “لا يوجد”. سبق أن بيّنا في الفصل الثاني كيف يفهم باديو التمظهر l’apparaître بوصفه منطقًا رياضيًا يحكم وجود الشيء (علاقاته) في عالم محدّد. وكيفَ أنّ هذا المنطق ليس سوى حركة الفكر التي تجعل كينونةَ التمظهر l’être de l’apparaître مسوّغةً من داخل الكينونة نفسها بقدر ما تكون، كائنًا هناك (راجع الفصل الثاني). بعبارة موازية: إنّ الوصول إلى المنطق أو التَمَظْهر يكون مبرّرًا من داخل الأنطولوجيا نفسها، وذلك عبر مسلّمة مشتقّة من نظرية المجموعات الرياضية (مبادئ أنطولوجيا الكثير) تُفيد بأنّه: لا توجد مجموعةٌ لكل المجموعات. هذا اللاوجود non–existance يعني أنّ الفكر لا يُمكنه افتراضُ كثير ما أي كائن ما، يحتوي في ذاته على كل الكائنات الأخرى القابلة للتفكير، من دون أن ينهارَ جرّاء هذا الفرض(73). ليس ثمّة إذن “الكائنُ في جُمْلته” l’étant en totalité كما عند هايدغر. مقولة “الكل” لا وجود لها؛ لأنّ الفكر يرفضها من ذاته. وعليه، فإنّ كل بحث أنطولوجي هو بحثٌ موْضعي locale؛ لأنّه ليس ثمّة حدسٌ (أو برهان) بالكينونة بما هي جُمْلة الكائنات، أو بما هي الموْضع العام lieu général حيث تكون الكائنات(74). إنّ الكينونة بما هي انتشار لامتناهٍ (للكثير) غير قابل لحَصْره في أيّ جُمْلة، لا يَعرِض نفسه أمام الفكر إلّا كموقع موْضعي

“L’être ne s’expose à la pensée que comme site local de son déploiement intotalisable“(75).

أي أنّنا لا نستطيعُ التفكير في الموجود (الكائن) بما هو موجود، إلا بما هو موجود مخصوص étant particulier، وليس بما هو “كلُّ” الكينونة le tout de l’être. وبما أنّ الموجود بما هو موجود هو في الأصل، كثيرٌ مَحْضٌ أي كثيرٌ بلا واحد أو كثيرٌ لكثير كثير multiple de multiples، فإنّ هذا الكثير المحض نفسه يعرِض للفكر موْضعيًا. هذه الموْضَعة للأنطولوجيا localisation du site de la pensée ontologique هي المُسمّاة في “الكينونة والحدَث” الوضعية situation أو الموقعsite، بينما في “منطقيّات العالم” سيُطلَق عليها اسمًا آخر هو “العالم” le monde. هذا القيْد الموْضعي على كينونة الموجود بما هي كثيرٌ محض، يُسمّيها باديو التَمظْهر أي تَمظْهر الموجود في الهناك؛ ما دام الكلّ le tout غير موجود. إنّ كينونة الموجود تُحتّم عليه أن يتَمَظْهر. فكل كينونة هي كينونة ـ هناك tout être est être-là. إلا أنّ هذا التمظهر لا يعتمدُ مطلقًا على أي ذات sujet يكونُ من شأنِها أن تعطيَه قوامه son constitution أو إتّساقه، كما هو الحال في فلسفة كانط مثلًا مع الذات الترسندالية le sujet transcendantal. فالكائنُ الكثير l’étant – multiple لا يتمظهر أبدًا من أجل ذاتٍ ما. بل إنّ هذا التَمَظْهر هو جوهرُه، طالما أنّ استحالة تموْقِعه في الكل insituable selon le tout تفرضُ عليه أن يُظهِّر كينونته (بما هي كثير محض) بإزاء “لا ـ كلّ” محدَّد au regard d’un non-tout، أي كائن (موجود) آخر مخصوص، من شأنه أن يُعيّن كينونة الهناك، في الكينونة ـ هناك détermine l’être du là de l’être – là(76). بكلمة مختصرة إنّ التَمَظْهُر هو تعيّنٌ جوهريّ للكينونة l’apparaître est une détermination intrinsèque de l’être(77). لكنّ هذا التَمَظْهر هو على النقيض من الكينونة بما هي كينونة، التي هي عبارة عن كثرات لامتّسقة أي لا صلات بينها ولا “كلّ” يجمعُها. ليس ثمّة إلّا كَثرات ولا شيء آخر. كلُّ كَثرة مُنفصلة عن الأخرى تمامًا. كل صلة relation هي لاحقة أو هي بدورها كَثرة أيضًا. أمّا التَمظْهر فيفترضُ وجود صلة ما بل إنّ الصلةَ هي جوهره (78)l’essence de l’apparaître est la relation. ذلك أنّ موْضعة الكائن التي هي تمَظْهُره تفترضُ، كما أشرنا أعلاه، بالضرورة كائنًا آخر مخصوصًا هو الوضعية التي يندرج فيها أو ينتمي إليها. ومن ثمّ، فإنّ صلةً أصليّةً liason primordiale ستقوم بين الكائِن ووضعيّته الخاصة(79) son situation. هذه الصلة (أو الصلات) هي العنوان الرئيسي على الإتّساق. لا يكون التَمَظْهر إذن إلا متّسقًا، وذلك على عكس ما اعتقده أفلاطون، من أنّ عالمَ الظهور مُلْتبسٌ، وغير قابل للتفكير فيه؛ فيما عالمُ المُثل ثابتٌ، ومتواطئ، وقابل لأن يُفكّر فيه(80). بناءً على ما سبق توضيحه، يجْسِر باديو (في رأيه) الهوّة l’abîme بين الكينونة والكائن أو بين اللاإتّساق الكينوني والإتّساق الظهوري. بعبارة أخرى، يُقدِّم مسوّغًا للمرور من الأول إلى الثاني، على قاعدة تجدُ جذرَها في الكينونة نفسها. وفي هذا لا يبتعدُ كثيرًا عن هايدغر ولا حتى عن دولوز، مع فارقٍ ينبغي تثبيته عند باديو. ففي حين نحا هايدغر الأخير نحو نوع من التصوّف في تفسير العلاقة بين الكينونة والكائن عبر الاصغاء إلى “الصوت الصامت”(81) التي رأى دولوز أنّها تعود إلى الكينونة بما هي الفرْق في ذاته، وتحديدًا من خلال عمليّة التفريق الجهويّ modale داخل الجوهر الواحد (الكينونة المتواطئة بما هي الواحد ـ الكل) على طريقة سبينوزا، قدَّم باديو من جهته تصورًا جديدًا لا يتعلّق هذه المرّة، بمقولة الفرْق الأساسية عند كل من هايدغر ودولوز، بل بمقولة الكلّ le tout المُمتنعة عن الوجود (اللاموجودة)، التي أخذَها عن نظرية المجموعات الرياضية. لنقرّب الصورة التي رسمَها باديو أكثر قبل أن ننتقل إلى نقطة أخرى. لو أخذنا التفكير مثالًا، لكوْن الفكر والكينونة هما الشيء عينه عند باديو”وفاءً” منه لمسلّمة بارمنيديس الأصلي (لا الأفلاطوني)، فسنلحظُ أنّنا في كل مرة نفكّر فيها، يمتنعُ علينا قول: فكرةُ كل الأفكار أو الفكرُ في جُمْلتِه أو الإحاطة بالفكر بما هو فكر. كل ما نقدر عليه حينئذٍ، هو قول هذه الفكرة أو تلك أي الإحاطة بفكرة محدّدة في رأسي أي بفكرة تكون موضعيّة بالنسبة إلى الفكر بعامّة. وبما أنّ هذا الأخير لا وجود له البتّة أي لا وجود للفكر بما هو كلّ (أي واحد)، فإنّ على الفكرة التي في رأسي أن تتموضع لا بإزاء ما ليس موجودًا بل بإزاء فكرة أخرى موْضعيّة. ومن هنا، ستنشأ أولًا صلة (أو علاقة) بين الفكرة المحدّدة والوضعية التي تموْضَعت فيها أي رأسي، وثانيًا بين هذه الفكرة وأفكار أخرى لاحقة ستخرج من رأسي؛ بحيث سيكون ثمّة علاقات بينها جميعًا أو بعبارة أخرى، ثمّة إتّساق يحكم ظهور هذه الأفكار. لكن بالنظر إلى كينونة كل فكرة، أي بكل فكرة بما هي فكر، فإنّها عبارة عن كَثرة لامتّسقة.

الهوامــش

الهوامــش

(1) chttp://remacle.org/bloodwolf/philosophes/platon/cousin/parmenide.htm.

(2)            BADIOU, L’être et l’événement,Seuil, 1988,  p. 43.

(3)                         L’être et l’événement, op.cit.,  p. 43.

(4)                              Ibid.

(5)                               Ibid.

(6)                            Ibid., p. 44.

(7)                L’être et l’événement, p.45

(8) العنف التأويليّ والقراءةَ التجزيئيّة الاقتطاعيّة.

(9) Bruno BESANA, Quel  Multiple?: Les conditions ontologiques du concept d’événement chez Badiou et Deleuze, in Bruno Besana et Oliver Feltham (éd), écrit autour de la pensée d’Alain Badiou, Paris, L’Harmattan, 2007, p.27.

(10) Valentin HUSSON, Badiou: Ontologie et politique du mathème, article  in ACADEMIA sur  le site:  https://www.academia.edu/

(11) مونيك ديسكو،  أفلاطون: الرغبة في الفهم، تر: حبيب الجربي، ط1، دار سيناترا، تونس، 2010، ص 196.

(12) HUSSON, Badiou: Ontologie et politique du mathème, op.cit.

(13)                               Ibid.

(14)          BESANA, Quel  Multiple? op.cit. p 27.

(15)   Badiou: Ontologie et politique du mathème, op.cit.

(16) Emmanuel LEVINAS,  Autrement qu‘être ou Au-delà de l’essence, p. 3

(17) أفلاطون، طيماوس، ضمن المحاورات الكاملة، تر شوقي داوود تمراز، بيروت، الأهلية للنشر والتوزيع، 1994، المجلد الخامس، ص 389.

(18) RICOEUR, Être,essence et substance chez platon et aristote, op, cit. p.142.

(19) انظر، حسين لوكيلي، التسامح والضيافة: إعادة صياغة تفكيكية في فلسفة دريدا، مجلة لوغوس، العدد الثالث والرابع،

 http://labopheno.com/lms/logos-revu/course/diridda

(20) cf., Badiou: Ontologie et politique du mathème, op.cit.

(21)                                Ibid.

(22)                             Ibid.

(23)                             Ibid.

(24) Edoardo  ACOTTO , Alain Badiou et L’ontologie du monde perdu, in Bruno Besana et Oliver Feltham (éd), écrit autour de la pensée d’Alain Badiou, Paris, L’Harmattan, 2007, p.89.

(25)      Badiou  Alain, L’être et l’événement, op.cit., p.66.

(26) Alain Badiou et L’ontologie du monde perdu, op.cit., p.89.

(27)                 L’être et l’événement, op.cit., p.67.

(28) Francois  WAHL,  Présentation, Représentation, Apparaître, in Bruno Besana et Oliver Feltham (éd), écrit autour de la pensée d’Alain Badiou, Paris, L’Harmattan, 2007, p.176.

(29)                      L’être et l’événement,  pp. 68, 71.

(30)                                   Ibid.,  p. 72.

(31)                           L’être et l’événement, p. 71.

(32)                                         Ibid., p. 32.

(33)                                   Ibid., p. 68.

(34) WAHL, Présentation, Représentation, Apparaître, op. cit., p. 177.

(35)                                    L’être et l’événement, p. 68.

(36)                                           Ibid., p. 70.

(37)                                         Ibid., p. 71.

(38)                                   Ibid.

(39)                           L’être et l’événement, p. 72.

(40) Christopher  NORRIS, Badiou’s Being and Event, A Reader’s Guide, Continuum, 2009, p. 75.

(41)                                 Ibid., p. 76.

(42)                        L’être et l’événement,  p. 87.

(43)                to kenon topos einai en hôi midén ésti

(44)                        L’être et l’événement, p. 90.

(45)                       Ton mi ontos

(46)                           Péras

(47)                           Ibid., p.89.

(48)                                  Ibid., p.90.

(49)                        L’être et l’événement, p. 92.

(50)                    Atopon dé ei hé stigmí kenon

(51)                                  Ibid, Loc. Cit.

(52)                         L’être et l’événement, p. 33.

(53)                             Ibid.

(54) انتقادات عدّة طاولت هذا المفهوم عند باديو تركزت تحديدًا حول عدم تخريجه الصلة التي بين لاإتّساق الكينونة وإتّساق المثول.

(55)                        L’être et l’événement, p. 13.

(56)                           L’être et l’événement, p. 16.

(57)                                                     Ibid., p. 31.

(58)                    L’être et l’événement,  p. 32.

(59)                          Ibid.

(60)                         L’être et l’événement,  p. 34.

(61)                        Ibid., p. 44.

(62)    Badiou Alain, L’être et l’événement, op.cit., p.65.

(63)                   Ibid, p.34.

(64) Wahl, Francois, Présentation, Représentation, Apparaître, op.cit., p.187.

(65)             Besana, Bruno, Quel Multiple? op.cit. p 36.

(66) BAC, Rémy, La soustraction de l’être, la question ontologique de la vérité de Heidegger à Badiou, Le Grand Souffle Edition, 2008, p.129.

(67)          Besana, Bruno, Quel  Multiple? op.cit. p. 36.

(68) Badiou  Alain, Court traité d’ontologie transitoire, op,cit., p.34.

(69) Badiou  Alain, Heidegger, L’être 3 – Figure du retrait, op,cit., p.210.

(70) Badiou  Alain, Logiques des mondes, L’être et l’événement 2, Paris, Le Seuil, 2006, p.111.

(71) Corvez Maurice, L’être et l’étant dans la philosophie de Martin Heidegger, dans revue philosophique de Louvain, troisieme serie, tome 36, n° 87, 1965. pp. 257-279. Site: https://www.persée.fr/doc/phlou_0035-3841_1965_num_63_78_5305

(72)                  Ibid

(73) Badiou Alain, Court traité d’ontologie transitoire, op,cit., p.190.

(74)                        Ibid., Loc. Cit.

(75)              Ibid., p.191.

(76) Badiou Alain, Court traité d’ontologie transitoire, op,cit., p.192.

(77)                      Ibid., Loc. Cit.

(78)                       Ibid., Loc. Cit.

(79)                      Ibid., Loc. Cit.

(80)                     Ibid., p.193.

(81) Corvez Maurice, L’être et l’étant dans la philosophie de Martin Heidegger

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *