هذا النص هو الجزء التمهيدي من محاضرة لـ هايدغر كان ألقاها في فرايبورغ أوائل الفصل الصيفي 1921 تحت عنوان: مقدمةُ في فينومينولوجيا الدِّين. وهي نشرت في كتاب: فينومينويوجيا الحياة الدينية
PHÄNOMENOLOGIE DER RELIGION,Vittorio Klostermann GmbH. Frankfurt am Main , 1995.
- I. بناءُ المفاهيم الفلسفيِّة وتجربةُ الحياةِ الواقعيَّة
- خصوصيَّةُ المفاهيم الفلسفيَّة
من الضروري تحديد معنى الكلمات التي يحتويها اعلان المحاضرة هذه بشكل مبدئي. وتعود هذه الضرورة إلى خصوصية المفاهيم الفلسفية. في التخصصات العلمية المحددة، يتم تحديد المفاهيم من خلال وضعها في سياق موضوعي، وبالتالي يتم تحديدها بشكل أكثر دقة كلما كان هذا السياق معروفًا بشكل أفضل. أما المفاهيم الفلسفية، من ناحية أخرى، فهي متأرجحة، غامضة، متشعبة ومتقلبة، كما يبدو لنا في تغير وجهات النظر الفلسفية. لكن الالتباس في المفاهيم الفلسفية لا يستند حصرًا إلى هذا التغير في وجهات النظر؛ إنه بالأحرى جزء من معنى المفاهيم الفلسفية ذات نفسها الذي يظل دائمًا غير مؤكد. وتختلف كذلك إمكانية الوصول إلى المفاهيم الفلسفية تمامًا عن تلك الخاصة بالمفاهيم العلمية. في الواقع ليس هناك تحت تصرّف الفلسفة سياق موضوعي متشكل بشكل موضوعي يمكن تصنيف المفاهيم فيه من أجل الحصول على تعريفها. وبالتالي هناك اختلاف جوهري بين العلم والفلسفة. هذه فرضية مؤقتة سيتم إثباتها في سياق الدراسة.(ص 4) (إنه فقط بسبب ضرورة الصياغة اللغوية هي فرضية، اقتراح).
ومع ذلك، يمكننا سلوك طريق أكثر ملاءمة لادراك الحاجة إلى الفهم المسبق لمفاهيم العنوان. نحن نتحدث عن «مفاهيم» فلسفية وعلمية، وعن «مقدمات» في العلوم والفينومينولوجيا. وعلى الرغم من الاختلاف الأساسي بين العلم والفلسفة، هناك تشابه معين بينهما. لكن من أين يأتي هذا التشابه؟ قد يُظَن أن الفلسفة هي موقف إدراكي عقلاني كما هو الموقف العلمي سواء بسواء. من هنا تنشأ فكرة «الافتراض بشكل عام»، «المفهوم بشكل عام»، إلخ. لكن هذا الرأي لا يخلو من تحيز لتصوُّرٍ للفلسفة بوصفها علمًا. ولا يجب أن يتم نقل فكرة المعرفة والمفاهيم العلمية على أساس امتداد مفهوم الافتراض العلمي إلى الافتراض بشكل عام، كما لو كانت السياقات العقلانية للعلم والفلسفة متطابقة. ومع ذلك: هناك استحواذ «متواز» nivelliertes علـى «المفاهيم» و«الافتراضات» الفلسفية والعلمية. وتلتقي هذه المفاهيم والافتراضات بعضها مع البعض الآخر في «الحياة الواقعية» في مجال التمثيل والتواصل اللغويين بوصفها «معان» «مفهومة». في البداية، لا يتم تمييزها على الإطلاق بعضها عن البعض الآخر. وبما أننا يجب أن ندرك أن الاستحواذ على المفاهيم الفلسفية يختلف عن الاستحواذ على المفاهيم العلمية، فيجب أن نتحرى كيف ينشأ هذا الاستحواذ المتوازي.
أليست هذه المعاينة برمتها معالجة مستمرة للأسئلة الأولية؟ وإذا كان الأمر كذلك فيبدو أننا نراوغ في المجال التمهيدي؛ ونحاول أن نصنع من ضرورة عدم القدرة على الإبداع الإيجابي فضيلة. لكن لا يمكن اتهام الفلسفة بالخوض في الأسئلة الأولية بشكل دائم إلّا إذا أخذنا معيار الحكم عليها من فكرة العلوم، وإذا توقعنا منها حل المشكلات الملموسة وطالبناها ببناء رؤية للعالم (ص 5). وأنا هنا أريد أن أكثف حاجة الفلسفة هذه لكي تتحول دائمًا إلى الأسئلة الأولية وأن أبقيها مستيقظة لدرجة أن تصبح في الواقع فضيلة. ليس لدي ما أقوله لكم حول ما هو أساسي في الفلسفة نفسها. لن أقدم أي شيء مثير للاهتمام من الناحية المادية. أو يؤثر على القلب. ستكون مهمتنا هنا محدودة للغاية.
- حول عنوان المحاضرة
عنوان هذه المحاضرة: «مقدمة في فينومينولوجيا الدين». ويمكن أن يُؤدي هذا العنوان معنى ثلاثيَّ الأبعاد، اعتمادًا على الجزء الذي نشدِّد عليه منه. في البداية يجب أن نتوصل إلى فهم مؤقت للمفاهيم الثلاثة: «المقدمة»، و«الفينومينولوجيا»، والتي سيكون لها نفس معنى «الفلسفة» بالنسبة لنا، و«الدين». عند القيام بذلك، سرعان ما سنواجه ظاهرة جوهرية غير مألوفة، أعني مشكلة التاريخي(1). وهذا هو الموضِع الذي ستأتي منه القيود على تطلعاتنا الحالية.
سنبدأ بتوضيح معاني الكلمات؛ لكننا سنشير على الفور إلى السياقات الموضَّعية Gegenstandszusammenhänge التي يُشار إليها بواسطتها، بحيث يتم وضع هذه السياقات موضِع تساؤل.
ماذا تعني «المقدمة»؟
كل «مقدمة» للعلم تميل إلى أن تشتمل على ثلاثة أشياء:
أ) تحديد مجال الموضوع Sachgebiets.
ب) علم die Lehre المعالجة المنهجية لمجال الموضوع (ويمكن تلخيص أ و ب بجملة واحدة هي: تحديد مفهوم العلم وهدفه ومهمته).
ج) المعاينة التاريخية للمحاولات السابقة لتحديد المهام العلمية والحل الذي قدمته.
هل يمكن للمرء أن يقدم أيضًا الفلسفة بنفس الطريقة؟ تحدد مقدمة العلوم مجال الموضوع، والمعالجة المنهجية لذلك المجال (الهدف والمهمة) (ص 6)، ولمحة تاريخية عن المحاولات المختلفة للتوصل إلى حل. وإذا كان العلم والفلسفة مختلفين، فمن المشكوك فيه ما إذا كان بإمكان الفيلسوف ببساطة أن يتبنى هذا المخطط للمقدمة، إذا كان يرغب في إعطاء ما هو فلسفي حقه الذي يستحقه. يتعرّف المرء على الفيلسوف من خلال تقديمه للفلسفة. إن المقدمة وفقًا للمخطط المعتاد تحجب الروابط الفلسفية. وإذا كانت مقدمة علم الأحياء والكيمياء وتاريخ الأدب تتنوع من حيث المحتوى، فإنها تمتلك تشابهًا شكليًا كبيرًا؛ كلها تتبع نفس المخطط. على أن معنى المخطط التمهيدي مدفوع بشكل مفهوم بفكرة العلم Wissenschaf التي لا تؤخذ هنا بالمعنى المنطقي التجريدي، ولكنها تؤخذ بشكل محدد على أنها إنجاز للعلوم، على أنها بحث وتعاون حقيقيان، لا بوصفها نظامًا عقلانيًّا خالصًا. بالطبع، نشأت العلوم، تاريخيًا، حتى فيما يتعلق بمعناها، من الفلسفة. لكن «نشأت» «Entspringen» لها هنا معنى محدد للغاية. حيث يُفهم منها عادة أن بعض التخصصات الفردية انفصل عن علم عام، أي أنها أصبحت مستقلة. في هذا السياق، تعني النشأة تحديد مجال معين لموضوع، بطريقة مستقلة، سبق أن عملت عليه الفلسفة. وهكذا، يَفترض المرء أن الفلسفة نفسها هي أيضًا علم. هذا التصور لنشأة العلوم من الفلسفة بوصفها «الانشغال المعرفي بالعالم» والذي تكون العلوم موجودة فيه بالفعل بشكل جنيني، هو تصور متحيز، يعيد المفهوم الحالي للفلسفة مرة أخرى إلى التاريخ. لكن فقط تعديل لاحق معين لأوانٍ مكوَّنٍ بالفعل في الفلسفة ـ أوان، مع ذلك، ما يزال يوجد في الفلسفة في شكلها الأصلي غير المعدل ـ يجعل العلوم الناشئة من الفلسفة، ومن خلال الخاصية المحدَّدة لانبثاقها، علومًا. وبالتالي فإن العلوم لا توجد في الفلسفة. ويقودنا هذا بالفعل إلى السؤال الآتي:
ما هي الفلسفة؟
(ص 7) لا يهتم العالِم أبدًا بالأسئلة التمهيدية قدر اهتمامه بالمشكلات العلمية الفعلية المحددة. ويظهر في ما يخص المقدمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالفلسفة، حالة ارتياب مؤكد وراسخ: دعونا لا ننخدع بمثل هذه الأحكام. إن المقدمة يجب أن تؤخذ في الاعتبار مع كل خطوة في الفلسفة، فهي ليست مجرد تقنية. وقد تبدو مسألة ماهية الفلسفة عقيمة و«أكاديمية»، لكن هذا أيضًا نتيجة للتصور الشائع للفلسفة بوصفها علمًا. الفيلولوجي على سبيل المثال لا يهتم بـ «جوهر» الفيلولوجيا، لكن الفيلسوف يهتم بجدية بماهية الفلسفة، قبل أن يبدأ العمل الإيجابي. إن حقيقة أن الفلسفة يجب أن تكون واضحة على الدوام فيما يخص ماهيتها هي عيب فقط إذا تم الاستشهاد بفكرة العلم كمعيار. وإذا قررنا أن هناك اختلافًا مبدئيًا بين الفلسفة والعلم، عندها فقط يمكن للمرء أن يفهم حقًا تاريخ الفلسفة من ناحية فلسفية. ثم يمكنه إلقاء نظرة على الأنظمة الفلسفية العظيمة بتوجيه من هذه المشكلة وفق النقاط الآتية:
- ما هو الدافع الأصلي للفلسفة التي هي موضوع معاينتنا؟
- ما هي الوسائل المفهومية والمعرفية لتحقيق هذا الدافع؟
- هل نشأت هذه الوسائل في الأصل من دافع الفلسفة التي هي موضوع معاينتنا، أي أنه لم يتم الحصول عليها من خلال أماثيل Idealen أخرى وخاصة العلمية منها؟
- هل هناك نقاط انقطاع محدد كما هو الحال في جميع الفلسفات السابقة حيث تتدفق الفلسفة في القنوات العلمية؟
- هل دافع الفلسفة التي هي موضوع معاينتنا أصلي في حد ذاته أو أنه مأخوذ من دوافع وأماثيل معيشة أخرى؟
(ص 8) وفق هذا الاتجاه يجب أن نأخذ في الحسبان تاريخ الفلسفة. وإذا نظرنا إلى تاريخ الفلسفة بطريقة مختلفة، فستصبح مجرد خطاب جميل أو مهنة مصنَّفة. كيف نصل إلى فهم الفلسفة من تلقاء نفسها؟ فقط من خلال التفلسف ذات نفسه، وليس من خلال البراهين والتعريفات العلمية، أي إنه لا يمكن تحقيق ذلك من خلال دمجها في سياق موضوعي. وهذا يكمن في مفهوم «الفهم الذاتي» «Selbstverständigung»(2). ما هي الفلسفة ذات نفسها لا يمكن أبدًا توضيحه علميًا، ولكن يمكن توضيحه فقط من خلال فعل التفلسف ذات نفسه. لا يمكن تعريف الفلسفة بالطريقة المعتادة، ولا يمكن تمييزها من خلال دمجها في سياق موضوعي، وفقًا للطريقة التي يقال فيها، الكيمياء علم والرسم فن. لقد بذلت محاولات أيضًا لدمج الفلسفة في نظام مفهومي من خلال القول بأن الفلسفة تتعامل مع موضوع محدد بطريقة محددة. لكن هنا أيضًا يلعب التصور العلمي للفلسفة دورًا بالفعل. وفي هذه المحاولات، تظل مبادئ الفكر والإدراك غير واضحة على الدوام. ويمكن للمرء مع ذلك، أن يتحدث بهذه الطريقة عن الرسم، على الرغم من أنه ليس علمًا. ويمكن للمرء أن يتحدث بهذه الطريقة فيقول، على سبيل المثال، إنه فن! في الواقع هذا، حتى فيما يتعلق بالفلسفة، مبرر بمعنى صوري للغاية، وهو نوع من الصورية ما يزال بحاجة إلى توضيح. لطالما تم التعامل مع مشكلة فهم الفلسفة من تلقاء نفسها باستخفاف شديد. إذا فهم المرء هذه المشكلة بشكل جذري، فسيجد أن الفلسفة تنبع من تجربة الحياة الواقعية. وبعد ذلك، في تجربة الحياة الواقعية، تعود إلى نفسها مرة أخرى. مفهوم تجربة الحياة الواقعية هنا إذًا هو أمر أساسي. إن تعيين الفلسفة على أنها سلوك معرفي وعقلاني لا يقول شيئًا على الإطلاق؛ لأنه مع هذا التعيين، يقع المرء فريسة لمثل العلم، وبالتالي فإن ذلك يحجب بالضبط الصعوبة الرئيسية.
- تجربة الحياة الواقعية كنقطة انطلاق
لكن ماذا تعني «تجربة الحياة الواقعية»؟ تشير «التجربة» إلى: 1) نشاط التجربة 2) ما يُختبر من خلال هذا النشاط. لكننا نستخدم الكلمة عن قصد بكلا معنييها، لأن ذلك يعبر عن جوهر تجربة الحياة الواقعية، حيث التجربة نفسها وما يُختبر من خلال هذه التجربة لا ينفصل أحدهما عن الآخر كما تنفصل الأشياء، لأن «التجربة» لا تعني «أخذ العلم» بما تم اختباره، بل التعامل مع التأكيد الذاتي لأشكال ما تم اختباره. فهي لها معنى سلبي وايجابي، (فاعل ومنفعل). أما كلمة «واقعي» فهي لا تعني شيئًا طبيعيًا أو محددًا سببيًا، كما أنها لا تعني شيئًا حقيقيًا. ويجب ألا يتم تحديد مفهوم «واقعي» من خلال بعض الافتراضات المعرفية؛ بل يمكن جعله مفهومًا فقط من خلال مفهوم «التاريخي». ومع ذلك، فإن «تجربة الحياة الواقعية» هي في الوقت نفسه منطقة خطر على الفلسفة المستقلة، لأن طموحات العلوم تفرض نفسها بالفعل في هذه المنطقة. ويجب إلغاء فكرة أن الفلسفة والعلم بناءان موضوعيان للمعنى، قضايا منفصلة وعلاقات مفترضة Satzzusammenhänge. وإذا تمَّ عدُّ العلوم بشكل عام إشكالية فلسفية، فإنه استنادًا إلى ذلك يتم التحقيق فيها وفقًا لنظرية العلم فيما يتعلق بحقيقتها المنفصلة وبروابطها المفترضة. ويجب على المرء أن يفهم العلوم المحددة ذات نفسها أثناء انجازها لاستحواذاتها؛ يجب أن تؤخذ العملية العلمية نفسها بما هي عملية تاريخية في الأساس. مثل هذا الأمر لا يتم التغاضي عنه في الفلسفة المعاصرة فحسب، بل يتم رفضه عمدًا؛ ولا يسمح هنا لمفهوم التاريخي أن يلعب أي دور فيها. أما نحن فندعم الأطروحة التي تقول إن العلم يختلف اختلافًا جوهريًا عن الفلسفة، وهذا يجب أن يؤخذ في الحسبان. لقد أراد جميع الفلاسفة العظماء الارتقاء بالفلسفة إلى مرتبة العلم، وبذلك اعترفوا بوجود قصور في الفلسفة التي هي موضع معاينتنا، أي أنهم افترضوا (أنها ليست علمًا بعد). لذلك يتجه المرء نحو (ص 10) فلسفة علمية صارمة. لكن هل الصرامة Strenge مفهوم فوق علمي؟ إن مفهوم الصرامة ومعناها هما في الأصل فلسفيان وليسا علميين؛ وحدها الفلسفة صارمة في الأصل؛ إنها تملك صرامة تبدو كل صرامة العلم مشتقة منها. إن الجهد المستمر الذي تبذله الفلسفة لتحديد مفهومها الخاص هو جزء من دافعها الأصيل. وفي مقابل ذلك، لا يمكن أبدًا لفلسفة علمية أن ترفض تهمة البقاء الأبدي في الاعتبارات «الإبستمولوجية» الأولية ويجب أن تتحرر الفلسفة من «العلمنة» «Säkularisierung» لتصبح علمًا، أي لتصبح رؤية علمية للعالم. ويمكن تحديد علاقة نشأة العلم من الفلسفة بشكل إيجابي. وعادة ما يتخذ الناس اليوم موقفًا توفيقيًا مفاده أن: الفلسفة هي العلم المخصوص، لكن توجهها العام هو تقديم رؤية للعالم. ولكن في هذا الصدد يظلّ مفهومًا «العلم» و«الرؤية إلى العالم» غامضين وغير واضحين. وبالتالي كيف يمكن للمرء أن يصل إلى أن يفهم الفلسفة لذاتها Selbstverständnis؟ يبدو أن أطروحتنا تقطع طريق الاستنباط العلمي منذ البداية. علاوة على ذلك، لا يمكن الوصول إلى هذا الفهم من خلال الإشارة إلى «موضَّع» الفلسفة؛ ربما لا تهتم الفلسفة بموضوع ما على الإطلاق. وربما لا يُسمح للمرء حتى أن يسأل عن موضوعها. وقد يُقال إنه من خلال الحدس الصوفي يمكننا قطع المشكلة منذ البداية.
إن نقطة الانطلاق في الطريق إلى الفلسفة هي تجربة الحياة الواقعية. ومع ذلك، يبدو كما لو أن الفلسفة تخرجنا من تجربة الحياة الواقعية. في الواقع، مثل هذا الطريق يتأدى بنا فقط، إذا جاز التعبير، إلى الاقتراب من الفلسفة، وليس إليها ذات نفسها. ولا يمكن تحقيق الفلسفة ذات نفسها إلّا من خلال تحويل هذا المسار؛ ولكن ليس عن طريق تحول بسيط، من شأنه أن يوجه المعرفة نحو موضوعات أخرى فحسب، ولكن بشكل أكثر جذرية، من خلال تحول حقيقي. إن الكنطية الجديدة (ص 11) (ناتورب) تعكس ببساطة عملية «الموضعة» Objektivierung (معرفة الموضَّعات Gegenstandserkenntnis)، وبالتالي نصل إلى إضفاءالطابع الذاتي Subjektivierung (التي من المفترض أن تمثل العملية الفلسفية النفسية). في هذا، يتم سحب الموضّع فقط من الموضوع إلى الذات، في حين تبقى المعرفة بما هي معرفة في ذاتها ظاهرة غير موضحة.
إن تجربة الحياة الواقعية هي شيء خاص تمامًا؛ فيها يصبح الطريق إلى الفلسفة ممكنًا، وفيها أيضًا يحدث التحوّل الذي يؤدي إلى الفلسفة. ويمكن فهم هذه الصعوبة من خلال الخصائص الأولية لظاهرة تجربة الحياة الواقعية. إن تجربة الحياة هي أكثر من مجرد تجربة قائمة على المعرفة، إنها تعني كامل الموقف الإيجابي والسلبي للإنسان فيما يتعلق بالعالم: إذا نظرنا إلى تجربة الحياة الواقعية فقط من حيث التوجه إلى المحتوى المجرَّب، فإننا نصف ما نختبره ـ ما نعيشه كتجربة ـ
بوصفه «عالمًا»، وليس «موضوعًا». «العالم» هو الشيء الذي يمكنك العيش فيه (لا يمكنك العيش في موضوع ما). يمكن التعبير عن العالم بوصفه العالم المحيط (بيئة)، بوصفه العالم الذي نواجهه، والذي لا يتضمن الأشياء المادية فحسب، بل الذي يتضمن أيضًا الموضَّعيات المثالية والعلوم والفنون وما إلى ذلك. داخل هذا العالم المحيط يوجد أيضًا العالم المشترك، أي البشر الآخرون في خصائص واقعية ومحددة تمامًا: كطالب، ومحاضر، وقريب، ورئيس، وما إلى ذلك، وليس كعينات من العلوم الطبيعية لنوع الإنسان العاقل وما إلى ذلك. وأخيرًا، تقف الأنا ذات نفسها، عالم الذات، أيضًا في تجربة الحياة الواقعية. وبقدر ما يكون من الممكن أن أكون مستغرقًا في الفنون والعلوم بحيث أعيش فيها بالكامل، يجب تصنيف الفنون والعلوم على أنها عوالم عيش حقيقية. لكنها هي أيضًا مختبرة في سياق العالم المحيط. ولا يمكن للمرء التمييز بوضوح بين هذه الظاهرات، أو النظر إليها بوصفها كيانات متمايزة، أو السؤال عن علاقاتها المتبادلة، أو تقسيمها إلى أجناس وأنواع، وما إلى ذلك. سيكون ذلك تشويهًا وانزلاقًا إلى نظرية المعرفة. إن التقسيم الطبقي والتصنيف المعرفي العلائقي (ص 12) لهذه العوالم الثلاثة سيكون في حد ذاته انتهاكًا. لا شيء يقال هنا عن العلاقة بين العوالم المعيشة. الشيء الأكثر أهمية هو أن تصبح في متناول تجربة الحياة الواقعية. ويمكن للمرء فحسب أن يصف طريقة تجربة تلك العوالم وكيفيتها. أي يمكن له أن يتساءل عن المعنى العلائقي لتجربة الحياة الواقعية. ومن المشكوك فيه ما إذا كانت الكيفية، والعلاقة، هي التي تحدد ما يختبر، أي المحتوى، وكيف يتميز. علاوة على ذلك، سنصلت الضوء على المعرفة أو التجربة المعرفية، حيث من المفترض أن تكون الفلسفة سلوكًا معرفيًا. ومع ذلك يجب، بادئ ذي بدء، فهم معنى المعرفة من دافع التجربة ذات نفسها. إن خصوصية تجربة الحياة الواقعية هي أن «الكيفية التي أتعامل بها مع الأشياء»، أي طريقة تجربة الأشياء، لا تُختبر معها. قبل أن نقرر أن الفلسفة هي معرفة،لا بدَّ من أن نبرز فينومينولوجيًا ما ينتمي إلى معنى المعرفة في تجربة الحياة الواقعية. تكمن تجربة الحياة الواقعية تمامًا في المحتوى، أما الكيفية فهي مضمنة غالبًا فيه (المحتوى). هذا هو المكان الذي تحدث فيه كل التغييرات في الحياة. في غضون يوم من الخبرة الواقعية أتعامل مع أشياء مختلفة تمامًا، ولكن في المسار الواقعي للحياة، فإن الطرق المختلفة التي أتفاعل بها مع الأشياء المختلفة لا تلفت انتباهي على الإطلاق؛ بل إنني أواجهها في الغالب في المحتوى ذات نفسه الذي أختبره: تُظهر تجربة الحياة الواقعية عدم مبالاة فيما يتعلق بطريقة التجربة. لا يخطر ببال تجربة الحياة الواقعية أن شيئًا ما قد لا يكون في متناولها. هذه التجربة الواقعية، تنشغل bestreitet، إذا جاز التعبير، بكل شؤون الحياة.
تكمن الاختلافات والتغيرات في التركيز تمامًا في المحتوى ذات نفسه. وبالتالي فإن هذه اللامبالاة تبرر الاكتفاء الذاتي من تجربة الحياة الواقعية. وهي تمتد إلى كل شيء؛ كما أنها تقرر أعلى الأشياء في هذا الاكتفاء الذاتي. وهكذا إذا انتبهنا إلى اللامبالاة الغريبة للتجربة الواقعية تجاه الحياة الواقعية بأكملها(ص 13)، فسيكون لدينا معنى محدد ومتسق للعالم المحيط، ولعالمنا المشترك وللعالم الذاتي: كل ما نختبره في التجربة الواقعية للحياة له معنى. وكل ما يتم اختباره في تجربة الحياة الواقعية له طابع الدلالة؛ كل محتوى فيه يحمل هذا الطابع: لكن هذا لا يعني أن ثمة شيئًا معرفيًّا قد تقرر، لا بمعنى نوع من الواقعية ولا بمعنى نوع من المثالية. وبهذا النمط من الدلالة، التي تحدد محتوى التجربة نفسها، أختبر جميع مواقف حياتي الواقعية. ويتضح هذا عندما أسأل كيف أختبر نفسي في تجربة الحياة الواقعية: الجواب هو: لا نظريات!
عادة ما يهتم الناس بتحليل مفاهيم الروح المشكَّلة نظريًا فحسب، لكن الروح ذات نفسه لا يصبح إشكالية. إن مفاهيم مثل «الروح»، «سياق الأفعال»، «الوعي الترنسندنتالي»؛ ومشاكل مثل «العلاقة بين الجسد والروح» لا شيء من هذا يثير اهتمامنا. في الحياة الواقعية، لا أختبر نفسي كسياق من التجارب، ولا كمجموعة من الأفعال والعمليات، ولا حتى كأي موضوع للأنا Ichobjekt بمعنى محدد، بل أنا ذات نفسي، في ما أفعله، في ما أعانيه، في ما أواجهه، في حالات الاكتئاب والنشوة، وما إلى ذلك. لا أختبر ذاتي في عزلة، لكنني دائمًا مرتبط بالعالم المحيط. إن تجربة المرء هذه لذاته ليست «تفكيرًا» نظريًا، وليست «إدراكًا داخليًا»، وما إلى ذلك، ولكنها تجربة ذاتية عالمية، لأن التجربة نفسها لها طابع عالمي. ويتم التأكيد على أهميته، لدرجة أن العالم الذاتي الذي يختبره المرء لم يعد في الواقع منفصلًا عن العالم المحيط. هذه التجربة الذاتية هي نقطة البداية الوحيدة الممكنة لعلم النفس الفلسفي، إذا كان من الممكن افتراض نقطة بداية على الإطلاق. والرغبة في العودة من النظريات النفسية المسبقة إلى الواقع، ستكون محاولة فاشلة لأن كل هذه النظريات ليس لها دوافع فلسفية على الإطلاق. ويمكن للمرء أن يعترض فيقول: لكنني أيضًا أختبر نفسي واقعيًا، كما أشعر، دون أي تفكير خاص (ص 14)؛ أعلم أنني تصرفت الآن بطريقة خرقاء، وما إلى ذلك. لكن هذه الطريقة أيضًا ليست طريقة مكتملة للسلوك تجاه شيء ما، ولكنها إشارة مرتبطة في الواقع بالعالم المحيط. إن الواقعية التي يتم أخذها في الحسبان ليس لها طابع الموضوع، لكن فقط طابع دلالة مكتمل التكوين Bedeutsamkeitscharakter والتي يمكن بالطبع أن تتطور لتصبح سياق موضوع مكتمل التكوين.
لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نأمل أن يكون كل هذا مفهومًا على الفور، لأنه لا يمكن الوصول إلى كل هذه الأشياء إلّا من خلال عملية فلسفية متواصلة، تتطور باستمرار. نحن هنا معنيون فحسب بالفوز بنقطة انطلاق لفهم الفلسفة من تلقاء نفسها.
- التعرُّف Die Kenntnisnahme
دعونا الآن نعاين المعرفة الواقعية، فعل التعرف! ما يتم التعرف عليه فيه ليس له طابع الموضوع، ولكن يتم اختباره بوصفه دلالة. تظهر الآن علاقة، ارتباط، يتشكل من خلالها سياق موضوعات يحمل منطقًا محددًا، منطقًا واقعيًا، وبنية خاصة لوقائع معينة. في الواقع، يمكنني في موقف معين الاستماع إلى محاضرات علمية والحديث عن الأشياء اليومية في الوقت نفسه. الموقف هو نفسه في الأساس، لكن الشيء الوحيد الذي تغير هو المحتوى، من غير أن يكون لدي علم بتغيير محدد في الموقف. يتم دائمًا التعرف على الأشياء العلمية أولًا وقبل كل شيء في طابع تجربة الحياة الواقعية. لكن يمكن للمرء أن يدفع التوجه العلائقي إلى أقصى الحدود ويركز على السياق البنيوي النهائي للموضَّعية بشكل عام (فكرة هوسرل عن المنطق القبلي للموضَّع). وبقدر ما تتجاوز الفلسفة التجربة الواقعية، فإنها تتميز بحقيقة أنها تتعامل مع موضوعات أعلى وأسمى، مع «الأشياء الأولى والأخيرة». علاوة على ذلك، في الفلسفة، كل شيء يتعلق بالإنسان وما هو مهم بالنسبة إليه (الميل نحو رؤية عالمية Weltanschauung). وعندما يتعلق الأمر بالاستحواذ على الذات، يبقى الأسلوب كما هو، ويُنظر إلى الذات أيضًا على أنها موضوع. وبالطبع يجب أيضًا وصف الفلسفة بأنها علم بمعنى الإدراك المكتمل بسبب علاقتها بالموضوعات العلمية. وهكذا لم تؤد معايناتنا إلا إلى زيادة صعوبة فهم الفلسفة من تلقاء نفسها.
لكن كيف يمكن تحفيز نمط من الاستحواذ مختلف عن التعرف؟ إن تجربة الحياة الواقعية نفسها، تحجب دائمًا حتى الاتجاه الفلسفي الذي قد يظهر على السطح، من خلال لامبالاتها واكتفائها الذاتي. في هذا الاهتمام بالاكتفاء الذاتي، تقف تجربة الحياة الواقعية دائمًا في مركز الاهتمام. إنها تسعى باستمرار نحو التعبير عن العلم وفي النهاية نحو «الثقافة العلمية». لكن إلى جانب ذلك، فإن تجربة الحياة الواقعية تحتوي على دوافع لموقف فلسفي خالص، لا يمكن إظهارها وتسليط الضوء عليها إلّا من خلال تحول خاص في السلوك الفلسفي. الفرق بين الفلسفة والعلم لا يقتصر فقط على الموضوع والمنهج، بل هو ذو طبيعة أكثر جذرية. إن فهم الفلسفة من تلقاء نفسها ضروري أيضًا حتى لو لم يفترض المرء أن العلم له أي أصل في الفلسفة. حتى الآن، حاول الفلاسفة الانصراف عن تجربة الحياة الواقعية بوصفها أمرًا قليل الأهمية ومفهومًا من تلقاء نفسه، على الرغم من أن الفلسفة تنشأ على وجه التحديد من تجربة الحياة الواقعية وتعود إليها مرة أخرى في تحول أساسي تمامًا. وإذا صحت هذه الفرضية، فإن كل محاولة توفيق بين الفلسفة والعلم وكل تسوية كذلك بينهما، استطاعت الفلسفة بواسطتها أن تستمد وجودها عبر القرون، ستتلاشى. إن نقطة البداية للفلسفة، وكذلك هدفها، هي تجربة الحياة الواقعية. وإذا كانت تجربة الحياة الواقعية(ص 16) هي نقطة البداية للفلسفة وإذا كنا نرى بالفعل فرقًا أساسيًا بين المعرفة الفلسفية والعلمية، فإن تجربة الحياة الواقعية يجب ألا تكون نقطة البداية للتفلسف فحسب، بل أيضًا ما يعيق الفلسفة نفسها بشكل أساسي.
أود أن أزعم أنكم جميعًا، مع استثناءات قليلة جدًا، تسيئون فهم جميع المفاهيم والتعريفات التي أقدمها لكم باستمرار، ويجب أن يكون هذا هو الحال، وأن لا يسبب أي ضرر على الإطلاق، بل إن ما يجعل التقدم ممكنًا هو الإشارة، حتى لو كانت مضلّلة، إلى بعض سياقات الظاهرة التي ستتم معاينتها لاحقًا بطريقة يصبح معناها الواضح مفهومًا. إن تجربة الحياة الواقعية هي الاهتمام بدلالة الموقف، والسقوط، واللامبالاة بالعلاقات bezugsmäßig indifferente، والاكتفاء الذاتي. دعونا أولًا نفكر في المعنى العلائقي لتجربة الحياة الواقعية. ما يظهر هنا هو أن مسار هذه التجربة له طابع اللامبالاة باستمرار، وأن الاختلافات في ما يختبره الأنا تظهر بالكامل في المحتوى. إن حقيقة أن ما أشعر به في حفلة موسيقية مختلف عما أشعر به في محادثة تافهة هو شيء أختبره فقط في المحتوى. وتنوع التجارب يصبح مدركًا بالنسبة لي فقط في المحتوى المجرَّب. ومن ثم، فإن طريقة مشاركة «الأنا» في العالم والانجذاب إليه هي طريقة غير مبالية؛ في الواقع، إنها غير مبالية لدرجة أنها تنكر كل شيء، أي تنجز جميع مهامها دون أية موانع. ومع ذلك، فإن طريقة التفكير هذه تتجه إلى السقوط في الدلالة.
تبدو الدلالة مثل القيمة، لكن القيمة هي بالفعل نتاج التنظير، وهي مثل كل تنظير، يجب أن تختفي من الفلسفة. إن التعرّف الخالص لا يحيط علمًا بالموضوعات المكتملة التكوين، ولكن فقط بالعلاقات ذات الدلالة. ومع ذلك، فإن هذه العلاقات تميل إلى أن تصبح مستقلة، ويمكن تمثيلها بوضوح في «منطق الموضوعات»(ص 17)، وسياقات الموضوعات وعلاقاتها. وتلعب التجربة المعرفية بطريقة غير ملحوظة دورًا حاسمًا. في الاتجاه التنازلي لتجربة الحياة، يتشكل سياق الموضوع بشكل متزايد ويصبح أكثر استقرارًا. هذه هي الطريقة التي يصل بها المرء إلى منطق العالم المحيط، بقدر ما تلعب الدلالة دورًا في ترابط الموضوعات. وبالذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، فإن كل العلوم تسعى لتطوير نظام أكثر صرامة من أي وقت مضى للموضوعات، أي منطق موضوعي، ومنطق مادي، وسياق موضوعي، ومنطق يكمن في الموضعات نفسها (على سبيل المثال، منطق لتاريخ الفن، مختلف عن منطق لعلم الأحياء، وما إلى ذلك). والفلسفة العلمية ليست سوى تشكيل أكثر صرامة لنطاق الموضَّع. هنا يتم تشكيل نطاقات الموضَّع التي «تتجاوز الخبرة الحسية»، (عالم أماثيل أفلاطون) وما إلى ذلك. لكن الموقف تجاه الموضّعات يبقى كما هو تمامًا مثلما هو الحال في العلوم الخاصة؛ يبقى المعنى العلائقي هو ذاته. لا يظهر سوى بُعد مختلف للموضَّعات بقدر ما تكون قادرة على توضيح السياق بشكل أكثر عمقًا. إن الفلسفة الحديثة تنقل الوعي إلى نقطة المركز (كنط). وتصبح «الذات»، خاصة في معالجة فيشته لمشكلة الموضوع، شكلًا جديدًا من الموضَّعية مقارنة بـ «الموضوعات» الأخرى. ومع ذلك، فإننا نجد هنا أيضًا، في ابتعاد فيشته عن فلسفة كنط العملية وباستخدام التصورات الأولية الكنطية، اتجاهًا موقفيًا في الأساس. ولذلك فإن الفلسفة (انطلاقًا من تاريخها) هي دائمًا التشكيل الممكن الأكثر صرامة لسياقات الموضوع على الرغم من أن المثالية الألمانية عاينت صعوبة خاصة في معرفة الذات.
في هذه المرحلة لم يعد بإمكاننا أن نرى كيف يمكن أن يكون هناك فرق جذري بين الفلسفة والعلم. إن الاتجاه التنازلي لتجربة الحياة الواقعية نحو الميل المستمر إلى سياقات الدلالة في العالم الذي يتم اختباره واقعيًا، وثقله، إذا جاز التعبير، يسبب ميلًا (ص 18) نحو تحديد الموضوعات وتنظيمها في مواقف الحياة التي نعيشها بالفعل. وبالتالي فإن معنى تجربة الحياة الواقعية هذا يتعارض مع معنى أطروحتنا. علينا أن ننظر حولنا إلى تجربة الحياة الواقعية لكي نحصل على دافع لتغييرها. من المؤكد أنه من الممكن العثور على هذا الدافع، لكنه صعب للغاية. ولهذا السبب، سنختار طريقًا أكثر ملاءمة، لأننا نمتلك معرفة بالفلسفة الماضية والحالية. إن الوجود الفعلي لتاريخ الفلسفة في حد ذاته ليس دافعًا للتفلسف، لكن يمكن للمرء أن يبدأ منه بما هو حيازة ثقافية، ثم يمكنه استخدامه لتوضيح دوافع تفلسفه. ومن أجل أن نفهم بأكبر قدر ممكن من الوضوح ونتابع بدقة معنى تجربة الحياة الواقعية، فإننا ننظر حولنا إلى الحاضر واتجاهاته الفلسفية، ليس من أجل فهمها بطريقة فلسفية، ولكن ببساطة بمعنى أخذ العلم بالمعرفة الواقعية. ومن أجل الإيجاز، سننظر في اتجاهات فلسفة الدين الملموسة في ممثليها الأكثر نموذجية.
- II. الاتِّجاهات الحاليَّة في فلسفة الدِّين
- فلسفةُ الدين عند ترويلتش Troeltsch
يتزايد الاهتمام حاليًا بفلسفة الدين. حتى النساء يكتبن في فلسفة الدين. والفلاسفة الذين يرغبون في أن تؤخذ هذه الظاهرة على محمل الجد يرحبون بها بوصفها أهم ظاهرة منذ عقود! قارن على سبيل المثال بالمقالتين المنشورتين في(3) محاضرات الجمعية الكنطية؛ العدد 24، الأولى لـ رادبروخ تحت عنوان: في الفلسفة الدينية للقانون Zur Religionsphilosophie des Rechts والثانية لـ تيليش تحت عنوان: حول فكرة لاهوت الثقافة Über die Idee einer Theologie der Kultur. وكلاهما متأثر بـ ترويلتش. وفيما يلي نرغب في أن نحدد مكانة ترويلتش في فلسفة الدين، لأنه أهم ممثل لفلسفة الدين الحالية. أما الأشياء الأخرى فتعتمد على اللاهوت. يمتلك ترويلتش في الواقع قدرًا كبيرًا من المعرفة بنصوص فلسفة الدين الملموسة وكذلك بالتطور التاريخي للمشكلة الدينية الفلسفية. إنه آت من اللاهوت. وقد أصبح عرض وجهات نظره أكثر صعوبة بسبب التغييرات المتكررة في وجهة نظره الفلسفية الأساسية، على الرغم من أنه بقي محافظًا على موقفه الفلسفي الديني بشكل ملحوظ. وبوصفه عالم لاهوت من مدرسة ريتشل استندت وجهة نظره الفلسفية في البداية إلى كنط وشلايرماخر ولوتزه Lotze. وهو اعتمد في فلسفة التاريخ على دلتي. في التسعينيات، حوَّل اهتماته إلى «فلسفة القيمة» «Wertphilosophie» لـ ريكرت ـ فيندلباند Windelband Rickertschen، ثم تحوّل في السنوات الأخيرة، إلى موقف بيرغسوني زيملي Bergson Simmelschen. ومن خلالهما فهم هيغل، الذي بنى في نهاية المطاف عليه فلسفته التاريخية. لكن ما هي الأهداف التي وضعها ترويلتش لفلسفة الدين؟ لقد كان هدفُه تطويرَ تعريف صالح علميًا لماهية الدين.
أ) علم النفس
بادئ ذي بدء، من الضروري وصف الظاهرات الدينية («الإيجابية» Positivismus): بأنها مباشرة، خالية من النظريات، أي بما هي ظاهرات في حد ذاتها (راجع مطلب مماثل لماكس فيبر في ما يخص علم الاجتماع)(4). وينبغي النظر إلى الظاهرت الدينية في سذاجتها التي لم يتم صقلها بعد (الصلوات، الطوائف، الطقوس، وتحديدًا في سلوك الشخصيات الدينية الكبرى، والدعاة، والمصلحين) ومن ثم تحديدها في ظروفها الأولية الترنسندنتالية. هنا يميز ترويلتش بين الظواهر الدينية المركزية والهامشية. الظاهرة المركزية هي الإيمان بالفوز بحضور الله، الذي يؤدي من حيث المبدأ إلى ظهور القانون الأخلاقي Sittengebot. أما الأشكال الهامشية فهي علم اجتماع الدين والأخلاق العملية للدين، أي تجلياته الفعلية في العالم التاريخي (كما درسها ماكس فيبر، على سبيل المثال). ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يجب على فلسفة الدين أن تستخدم منهج علم النفس الفردي وعلم نفس الأعراق völkerpsychologischen، مضافًا إلى علم النفس المرضي ودراسات عصور ما قبل التاريخ والإثنولوجيا والمنهج الأمريكي في المسح والإحصاء. إن أفضل وصف حتى الآن (بحسب ترويلتش) للظاهرات الدينية كان الذي قدمه وليم جيمس في كتابه: («التجربة الدينية في تنوعها»(5). (هنا يقع ترويلتش (ص 19) تحت تأثير علم النفس الوصفي لـ جيمس وديلتي). والواضح أن ترويلتش استوعب في عمله جميع الاتجاهات النفسية الأساسية.
ب) نظرية المعرفة
والمهمة الثانية التي تتبع هذا الوصف النفسي هي إبستمولوجيا الدين وأوان الصلاحية Gültigkeitsmomentes المتضمن في العمليات النفسية. (ترويلتش، «علم النفس ونظرية المعرفة». محاضرة ألقيت في المؤتمر الأمريكي لفلسفة الدين، 1904)(6). إنها مسألة بحث في المشروعية Gesetzlichkeit العقلانية لتشكيل الأماثيل الدينية. حيث نجد دائمًا بعض القوانين المسبقة التي تكمن وراء الظاهرات الدينية. لقد حددت نظرية المعرفة العامة مشكلة القبلية بشكل عام. (يعتمد ترويلتش هنا على نظرية المعرفة عند فيندلباند وريكيرت). هناك قبلية توليفية للديني، تشبه قبلية المنطقي أو الأخلاقي أو الجمالي. وتسليط الضوء على قبلية الديني هذه يعني تثبيت «الحقيقة» الدينية بشكل عام، والعنصر العقلاني في ما هو ديني. في أعماله اللاحقة على وجه الخصوص، لم يقصد ترويلتش من «عقلاني» العقلاني النظري، بل عنى بـ «عقلاني» فقط ما هو صالح بشكل عام أو ضروري عقلانيًا. ولقد عرّفها ترويلتش سابقًا على أنها عقلانية قبلية، ثم ابتعد فيما بعد عن هذا الرأي وزعم من دون أي تعريف للمضمون أنها عقلانية ولكنها ليست عقلانية قبلية، وأنه من المهم ربط ما هو منطقي وأخلاقي وجمالي قبليًا مع هذا الديني لنحضر هذه الثلاثة ونرى كيف (ص 22) تتلقى قبليًّا صلابتها من قبلية الديني. إن عمل نظرية المعرفة في الدين أمر بالغ الأهمية؛ فهو يسعى إلى فصل ما هو نفسي واقعي عن ما هو صالح بشكل قبلي. في هذا السياق، لا تؤدي تجربة الحياة الواقعية وظيفة المجال أو النطاق الذي تظهر فيه الموضوعات. وهي لا علاقة لها بالواحدية التجريبية أو نظرية الواحدية(7)؛ لا شيء «موضَّح» هنا. وعند توضيح سياقات المعنى الموجودة وتناولها، فان الفينومينولوجيا الحالية لا تستعلم بالدقة الكافية عن حقيقة صلاحية المعطيات الواقعية. لكن تجربة الحياة الواقعية هي ما ينعطي في المقام الأول، والذي لا يمكن «توضيحه» بالطبع. إن الفينومينولوجيا ليست علمًا تمهيديًا للفلسفة، بل هي الفلسفة ذات نفسها.
إن فلسفة الدين الراهنة تنجز عملها في المقام الأول في اللاهوت ذات نفسه، وبشكل رئيسي في اللاهوت البروتستانتي؛ يتعامل اللاهوت الكاثوليكي مع المشكلات من منظور الفهم الكاثوليكي تحديدًا للمسيحية، ويعتمد اللاهوت البروتستانتي بشكل أساسي على التيارات الفلسفية الرئيسية التي يلتزم بها. ومن التحيزات لدى فلاسفة الدين أنهم يستطيعون حل مشكلة اللاهوت بحركة يد سريعة.
بالإضافة إلى هذه الأعمال علينا أن نأخذ في الاعتبار عمل علم نفس الدين، الذي سيتعين علينا أن نقرر بشأن مساهمته لاحقًا. وبقدر ما تتم معالجة مشكلة فلسفة الدين في إطار الفلسفة، فإنه يمكن افتراض أن التقارب المتزايد الآن مع فيشته وهيغل سيؤدي بلا شك إلى تجديد التأملات الفلسفية الدينية(8).
ومع إدخال هذه المبادئ، يتم دفع مشكلة فلسفة الدين (ص 23) في اتجاه محدد، وهو ما سنرفضه لاحقًا بشكل نقدي. ولكن على أي حال فإن لهذا الاتجاه التأملي أهمية خاصة في تقدم العمل في فلسفة الدين، والذي سيتحقق بلا شك. والحقيقة أن الكتاب اليوم قد استحوذوا على فلسفة الدين ومن المحتمل أنكم جميعًا تعرفون هذا، لكن لا داعي للقلق بشأنه بعد الآن.
ج) فلسفة التاريخ
فقط على أساس انفصال النفسي عن القبلي يمكن للمرء أن يتتبع الضرورة التاريخية في ما هو ديني. يعتبر تاريخ الدين أن تحقيق ما هو ديني أمر قبلي في المسار الفعلي لتاريخ الروحي Geistesgeschicht؛ ليس الحقائق فحسب، ولكن أيضًا القوانين التي يتطور وفقًا لها الدين تاريخيًا. لقد تصور هيغل هذه المهمة لأول مرة؛ لكن منهجه التأسيسي يجب رفضه. وعلى الرغم من أن مثل هذه المهمة لن تنجح بدون الميتافيزيقا، إلا أنه يمكن السماح فقط بالميتافيزيقا «الاستقرائية» «induktive». ومن ثم، يتعين على فلسفة الدين التاريخية أيضًا أن تفهم الحاضر وتحدد مسبقًا التطور المستقبلي للدين. عليها أن تقرر ما إذا كان سيكون هناك دين عام للعقل، يتم إنشاؤه بطريقة توفيقية من أديان العالم الحالية (الكاثوليكية، والبروتستانتية وفقًا لـ سودربلوم Söderblom)، أو ما إذا كانت إحدى الديانات الوثوقية positive (المسيحية، البوذية، الإسلام) ستسود وحدها في المستقبل.
د) الميتافيزيقا
هذه ميتافيزيقا لأماثيل الإله المؤسَّسة على كل تجاربنا في العالم. ويمكن لنظرية المعرفة النقدية (كنط وما إلى ذلك) أن تصل أيضًا إلى مثل هذه الميتافيزيقا. لأن المرء يأتي من السياق الغائي للوعي (الترنسندنتالي) إلى المعنى النهائي الذي يتطلب وجود الله.
في الواقع، أخرج ترويلتش فلسفة الدين من اللاهوت، وركزها حول مشكلة ربط التاريخ الديني والأنساق الدينية Religionssystematik Albrecht.Ritschl 1822 ـ1889 ثم، بعد كتاب «الوعي العام» «Bewußtsein überhaupt» لـ ريكرت، حاول معالجة النصوص الدينية التاريخية وانتقادها بعقلانية. دفعه فشل هذه المحاولة إلى الانفصال عن اللاهوت. وهو أراد في الواقع أن يؤسس فلسفة دين جديدة على «فينومينولوجيا أولية»، أي أن يدعم نظرية أولية لأنواع الأديان التاريخية، ثم سمى مثل هذه المواصفات سيكولوجيا الدين. ولقد كانت الظاهرة المركزية عنده هي الإيمان بإمكانية تجربة حضور الله؛ أما الظاهرة الثانوية فهي أساطير الدين وأخلاقياته وعلم اجتماعه. ويُظهر علم نفس المرض وعلم الأعراق أن الظاهرة الأصلية لجميع الأديان هي التصوف، تجربة الوحدة في الله. وأينما يتحقق الدين روحيًا، تكون الأسس القبلية ضرورية، وهي التي تصف العمليات النفسية الفردية بعد ذلك بأنها دينية. وبالتالي فينبغي لنظرية المعرفة الدينية أن تتوصل إلى قبلية دينية مماثلة للقبلية النظرية، مما يعني تثبيت محتوى الحقيقة، «الأوان العقلاني» rational moment للدين الذي من خلاله يصبح الدين ممكنًا (راجع ريكرت). يعني Ratio، لاحقًا عند ترويلتش، الاتفاق مع القاعدة، ليس فقط في المستوى المنطقي، ولكن أيضًا في المستوى الأخلاقي، وما إلى ذلك. إن إعادة توحيد القبلية، التي تم العثور عليها بهذه الطريقة والتي تم تسليط الضوء عليها، مع المظاهر النفسية للدين يقع على عاتق الميتافيزيقا الدينية. وبالنسبة لترويلتش(ص 25)، تتعارض قبلية الديني مع عالم روحي Geisteswelt أعلى، تعد تجربته هي الظاهرة الدينية الأساسية. والميتافيزيقا الدينية عنده هي شيء مختلف جوهريًا عن الميتافيزيقا الفلسفية، تمامًا كما أن القبلي الديني هو شيء مختلف عن القبلي النظري. ثم يمكن للتمثيل التاريخي أن يتم على أساس مبدأ التطور الغائي المستمد من فلسفة التاريخ. هذا هو المكان الذي يمكن أن تشارك فيه الميتافيزيقا، ولكنها ليست ميتافيزيقا جدلية بنائية مثل ميتافيزيقا هيغل، بل ميتافيزيقا استقرائية للدين. علاوة على ذلك، يجب أن تعيد فلسفة الدين تشكيل التطوير الإضافي للدين، على سبيل المثال حل أو مناقشة مسألة دين العقل الخالص أو التوفيق بين المعتقدات أو الشكل المفضل لأحد الأديان الكبرى (راجع سوديربلوم)، إلخ. ويجب على ميتافيزيقا الدين أن تصنف حقيقة الله في سياق العالم. وحتى في إطار فلسفة نظرية المعرفة، فإن الأساس اللاهوتي ومعنى واقعية الوعي سيؤديان إلى الإيمان بالله. إذًا لدينا أربعة فروع دينية فلسفية: 1. علم النفس، 2. نظرية المعرفة، 3. فلسفة التاريخ ـ هذه الثلاثة مجتمعة تشكل علوم الدين و4. الميتافيزيقا، وهذه هي فلسفة الدين الفعلية. وعلوم الدين هي مجالات فلسفية مثل المنطق والأخلاق وعلم الجمال، أما الميتافيزيقا فهي تقوم على هذه المجالات بوصفها المجال الأخير. لقد قام ترويلتش نفسه في المقام الأول، بالإضافة إلى التحقيقات الخاصة «المذاهب الاجتماعية للمسيحية»، وما إلى ذلك(9)، بتعزيز فلسفة التاريخ. لكن سيتغير رأيه في مبررها الأساسي، لأنه كان يفهم التاريخ فيما ما مضى من الناحية الغائية، بوصفه تطورًا تقدميًا. لكنه في الآونة الأخيرة، راح يعطي لكل حقبة من تاريخ الدين معناها الخاص؛ ولم يعد من الممكن النظر إليها على أنها مجرد نقطة عبور. إن اندفاع الحياة دائمًا ما يؤدي إلى ظهور دوافع جديدة (ص 26)، لا تعود قابلة للفهم عقلانيًا في الحقبة التالية. وتنشأ الأديان من أوانات عقلانية وقوى حياة عفوية، ولها معنى خاص بها، يكتسب حياة خاصة به ويصبح بالتالي القوة الدافعة للتطوير، من غير أن يكون ممكنًا إنشاء سياق جدلي منطقي؛ لأن مخطط التطوير المنطقي هو انتهاك (راجع زيمل وبرغسون). ويطرح ترويلتش مشكلة «الجدلية التاريخية» (راجع مقالته في «المجلة التاريخية»)(10). وبذلك يبتعد عن فلسفة ريكرت في التاريخ ويعود إلى دلتي (راجع كتابه «بناء العالم التاريخي في علوم الروح» ب)(11). ومفاهيمه الأساسية هي «الكلّية الفردية» individuelle Totalität و«استمرارية التحول» Werdekontinuität، بدلًا من «التطوير» (تطور العلاقة السببية عند ديلتي). التعديل التالي لمصطلحاته القبلية لم يقم ترويلتش بتطويره بعد. ومن المشكوك فيه ما إذا كان ما يزال متمسكًا بمفهوم القبلي الديني بروح ريكرت (راجع زيمل). (راجع نقده لكتاب أوتو «فكرة القدسي» في «دراسات كنطية» 1917.)(12)
- ملاحظات نقدية
لا نريد انتقاد موقف ترويلتش، بل نريد أن نفهم موقفه الأساسي بشكل أكثر وضوحًا. المسألة هنا هي مسألة تحديد ماهية الدين بطريقة علمية صحيحة. لدى ترويلتش مفهوم رباعي الأبعاد لماهية الدين:
- الماهية النفسية للدين. أنواع تحديد شكلها.
- الماهية المعرفية للدين؛ قبلية العقل Vernunft الديني. (ص 27)
- الماهية التاريخية للدين، بما أنه تصنيف عام؛ إدراك (1) و(2) في التاريخ.
- الماهية الميتافيزيقية للدين: الديني بما أنه مبدأ لكل قبلية. (مكانة الدين في سياق العقل في كليته).
توفر هذه المفاهيم الأربعة فقط صورة إجمالية لفلسفة الدين. ويجب علينا الآن أن نفهم كيف ترتبط فلسفة الدين هذه بالدين ذات نفسه، سواء أكانت تنبثق من معنى الدين، أم ما إذا كان الدين لا يفهم موضَّعيًا بشكل مباشر ويُضطر إلى الدخول في التخصصات الفلسفية؛ على سبيل المثال يتم تصنيفه في سياقات موضوعية كانت موجودة قبل الدين نفسه. هناك أيضًا علم النفس ونظرية المعرفة وفلسفة التاريخ وميتافيزيقا العلوم والفنون. وبالتالي فإن هذه التخصصات الدينية الفلسفية لا تنشأ من الدين بوصفه دينًا في ذات نفسه. منذ البداية، يُنظر إلى الديني ويصنف على أنه موضوع. وفلسفة الدين في حد ذاتها هي علم ديني. وهكذا يتم إرجاع الإشكالية برمتها إلى وجهة النظر الفلسفية ذات نفسها. ويصبح مفهوم الدين ثانويًا. ويمكن للمرء أن يفكر بسهولة في علم الاجتماع أو جماليات الدين.
يكمن الشعار الدافع لفلسفة ترويلتش الدينية في تصوره للإصلاح. وهو لا يرى شيئًا جديدًا في حركة الإصلاح الديني، ويعتقد أنها انبثقت من داخل بنية المعنى الخاصة بالعصور الوسطى، وأن الجديد لم يظهر إلّا في القرن الثامن عشر وفي المثالية الألمانية. قام ترويلتش أيضًا بدمج العديد من عناصر العصور الوسطى والكاثوليكية في فلسفته الدينية، وهو متهم بحق بأنه، مثل ديلتي، لم يكن يفهم لوثر. في نهاية المطاف، ما يهم ترويلتش هو ميتافيزيقا الدين، والدليل على وجود الله. لكن إثبات وجود الله ليس مسيحيًا في الأصل، بل يعتمد على الارتباط (ص 28) بين المسيحية والفلسفة اليونانية. وتحدد وجهة النظر الميتافيزيقية هذه أيضًا فلسفة ترويلتش للتاريخ.
نحن لا نريد أن نقدم نقدًا ذا طبيعة مضمونية، بل نريد أن نرى كيف يرتبط الدين بالفلسفة، وكيف يصبح الدين موضوعًا للفلسفة. يضع ترويلتش الدين في تخصصات دينية فلسفية أربعة في سياق موضوعي مكتمل. وبقدر ما تتحرك المعاينة الفلسفية للعالم في مجالات مختلفة، يتم وضع الدين في هذه المجالات ويُرى كيف يعبر عن نفسه فيها. ومن هنا تنبثق المفاهيم الأربعة لماهية الدين. ولا يتم فصل المجالات الأربعة من حيث منهجها فحسب، بل أيضًا من حيث طابعها الواقعي. إن الواقع النفسي، في بنيته وطبيعة وجوده، هو شيء آخر غير المجال القبلي لقانون العقل، وهذا شيء آخر غير حقيقة التاريخ، وخاصة التاريخ العالمي، وهذا شيء آخر غير الحقيقة الميتافيزيقية النهائية التي يُفكَّر فيها الله. أما كيف ترتبط هذه المجالات معًا فهو ليس أمرًا يثير اهتمامًا هنا. ففلسفة الدين هنا لا تتحدَّد بالدين نفسه، بل بمفهوم محدَّد للفلسفة، وهو المفهوم العلمي. ويبدو أن شيئًا جديدًا قد تم تقديمه في ميتافيزيقا ترويلتش؛ وهو أنه لن يُنظر إلى الدين بعد الآن بوصفه موضوعًا، طالما تمت معالجة الظاهرة الأصلية، وهي الايمان بوجود الله، هنا. لأنه عندها لن يتم الفوز بوجود الله من خلال المعرفة. لكن ترويلتش، على الرغم من ذلك، يقول إن «موضوع» الايمان يجب أن يُنظر إليه على أنه موضوع حقيقي مرتبط بموضوعات حقيقية أخرى، بقدر ما يكون العقل وحدة. وفي المعاينة النهائية للموضوع العالمي، يجب أن يتم إحضار التجربة الإنسانية بأكملها إلى المفاهيم، لذلك يجب أيضًا أن يعاين الله بوصفه موضوعًا حقيقيًّا. ويصبح من المفهوم هنا أيضًا كيف تمكن ترويلتش من الحفاظ على موقفه الديني الفلسفي (ص 29) دون تغيير حتى مع تغير وجهات نظره الفلسفية الأساسية. بالنسبة له، الدين هو موضوع منذ البداية، وبالتالي يمكن وضعه في سياقات موضوعية مختلفة (تتوافق مع «الأنظمة» الفلسفية المختلفة). لذا فإن إمكانية التحول المستمر عند ترويلتش هي واحدة من أقوى العلامات التي تشير إلى أنه يرى الدين بوصفه موضوعًا.
وفقًا لـ ترويلتش، فإن العلاقة بين الدين والعلم ليست علاقة قسرية. وبقدر ما يجد الدين نفسه تاريخيًا في سياق ثقافي، فإنه يجب عليه أن يتعامل مع العلم: يمكن لعلوم الدين الدفاعية السلبية في تبريراتها، ولكن أيضًا الإيجابية، أن تساهم في مزيد من تطوير الدين من خلال التنبؤ بتطوره المستقبلي. إن العلم لا يصنع الدين، ولكنه يمثل عاملًا مثمرًا لمزيد من تطوره. وهذا ما يظهره تاريخ المسيحية، بحسب ترويلتش، التي حققت مكانتها التاريخية القوية من خلال تحالفها مع الفلسفة القديمة. ومع ذلك، فإن إمكانيات المنتجات الدينية الفلسفية استُنفدت حاليًا. والموضوع المطروح هو مجرد تسليط للضوء على الإمكانية الصحيحة.
ما الذي فزنا به الآن في ما يخص أغراضنا من النظر إلى ترويلتش؟ قبل كل شيء، فكرة محددة عن فلسفة الدين. ثم إن هناك أربعة محددات يمكن أن تعزى إلى الدين: النفسي والعقلاني والتاريخي والميتافيزيقي. وأخيرًا، تسلك تلك الفلسفة تجاه الدين بما أنها طريقة تعرُّف على موضوع. لذلك جادلنا ضد أطروحتنا حول الفرق الجذري بين الفلسفة والعلم. وبما أن الفلسفة يجب أن تجعل الدين موضوع معرفتها، فليس من الواضح كيف ينبغي للفلسفة أن تنشغل بالدين إذا كان هناك (ص 30) فرق جوهري في المعنى العلائقي بين الفلسفة والعلم (أي معرفة الموضوع). ألا تصبح «الظاهرات» في «فينومينولوجيا الدين» كما في فينومينولوجيا الاستمتاع الجمالي، موضوعًا للمعاينة؟ بدايةلا بدَّ من النظر إلى الدين في واقعيته، قبل أن نحضره إلى أية معاينة فلسفية محددة.
الهوامــش
(1) يُقصد بـ Historische في الألمانية أصلًا النسبة إلى التاريخي بما هو أحداث. ويقصد بـ Geschichte رواية التاريخ أو ما بات يعبر عنه بالتأريخ. هنا لا يميز هايدغر بينهما فيستعمل الواحدة منهما في معنى الأخرى لكنه في كتاب الكينونة والزمان سيقلب استعمالهما المعتاد بمعنى أنه سيستعمل Geschichte بمعنى الحدث التاريخي و Historische بمعنى رواية الأحداث أو التاريخ كعلم. أما أنا فسأستعمل لفظ التاريخ في تعريب كلا المصطلحين ما دام هايدغر هنا يستعمل الواحد منهما في موضع الآخر.
(2) يقصد بها فهم الفلسفة لذاتها.
(3) يمكن العثور على كلتا المقالتين في:
Religionsphilosophie der Kultur. Zwei Entwürfe von Gustav Radbruch und Paul Tillich. (Philosophische Vorträge der Kant-Gesellschaft Nr. 24) Berlin 1919.
(4) Martin Heidegger, Grundprobleme der Phänomenologie. Frühe Freiburger Vorlesung Wintersemester 1919/20. Gesamtausgabe Bd. 58, hrsg. von Hans-Helmuth Gander, Frankfurt a. M. 1993, S. 189-196
مارتن هايدغر، المشكلات الأساسية للفينومينولوجيا، محاضرة فرايبورغ أوائل الفصل الشتوي 1919/20. الطبعة الكاملة المجلد 58، طبعة. هانز هيلموث غاندر، فرانكفورت أ. م 1993، ص 189-196
(5) William James, The Varieties of Religious Experience: A Study in Human Nature. New York, 1902 (in German: Die religiöse Erfahrung in ihrer Mannigfaltigkeit. Materialien undStudien zu einer Psychologie und Pathologie des religio¨sen Lebens. U¨ bersetzt von Georg Wobbermin. Leipzig, 1907).
وليم جيمس، أصناف الخبرة الدينية: دراسة في الطبيعة البشرية. نيويورك، 1902 (باللغة الألمانية: التجربة الدينية في تنوعها. مواد ودراسات عن علم النفس وباتولوجيا الحياة الدينية. ترجمة جورج ووبرمين. لايبزيغ، 1907).
(6) Ernst Troeltsch, Psychologie und Erkenntnistheorie in der Religionswissenschaft. Eine Untersuchung über die Bedeutung der Icantischen Religionslehre für die heutige Religionswissenschaft. Tübingen 1905, S. 18.
إرنست ترويلتش، علم النفس ونظرية المعرفة في الدراسات الدينية. تحقيق في أهمية تعاليم كنط الدينية للدراسات الدينية اليوم. توبنغن 1905، ص 18.
(7) العقيدة الفلسفية والدينية لوجود مبدأ أساسي واحد فقط للوجود والواقع
(8) إدراج في الحاشية بقلم هيلين فايس Helene Weiß
راجع: Überweg IV. § 43: بعد كنط، اعترف اللاهوت الحديث بعدم إمكانية إثبات العقائد المسيحية، وبالتالي أسس عقائده على اليقين الشخصي للخبرة الدينية المعيشة، متجاوزًا الدليل العلمي. بهذه الطريقة (على غرار عقيدة شلايرماخر حول الإيمان) هناك مجرد استبطان نفسي للعقيدة المسيحية، حيث تكون قيمة المسيحية، في رأي لوتزه، أن تكون ضمانة للحقيقة، وحيث يتم التأكيد، بالمعنى البراغماتي، على “قيمتها الحياتية العملية”.
(9) Ernst Troeltsch, Die Soziallehren der christlichen Kirchen und Gruppen. Tübingen 1 9 12.
إرنست ترويلتش، التعاليم الاجتماعية للكنائس والجماعات المسيحية. توبنغن 1912
(10) Ernst Troeltsch, Über den Begriff einer historischen Dialektik: 1.111. Windelband, Rickert und Hegel. 111. Der Marxismus. In: Historische Zeitschrift 119 und 120 (1919) und 120
إرنست ترويلتش، حول مفهوم الجدل التاريخي: 1./2. فندلبند، ريكرت وهيغل. 3. الماركسية. في: المجلة التاريخية 119 و 120 (1919) و 120 (1919.
(11) Wilhelm Dilthey, Der Aufbau der geschichtlichen Welt in den Geisteswissenschaften. Erste Hälfte. In: Abhandlungen der Königl-Preuss. Ak. d. Wiss. Jahrg. 1910. Phil.-hist. K1.
(12) Ernst Troeltsch, Zur Religionsphilosophie (aus Anlaß des Buches von R. Otto über »Das Heilige« 1917). In: Kantstudien 23 (1918).